Skip to main content Scroll Top

حين تُقلَّب الصفحة، يتغيّر العالم معها.

شهدنا خلال السنوات الأخيرة إغلاق الكثير من المكتبات، التي رافقت وعينا، في العالم العربي. تختفي رفوفها، أما الكتب فربما تجد طريقها نحو الفضاء الرقمي. لكن الحسرة التي تظل، هي ذلك الحوار الذي يموت نهائياً. حوار بين قارئ وثقافة، بين لغة وفضولها تجاه العالم، وبين الفكرة المتأنية وحياة اليومية العاصفة.

في مواجهة ذلك الصمت، أسّسنا «دفتر».

***

قبل شهور، أغلقت صحيفة واشنطن بوست ملحقها المستقل للكتب «عالم الكتب». قوبل الإعلان بمراثٍ من المحررين والكتّاب في الصحافة الناطقة بالإنجليزية. كان «عالم الكتب» شاهداً عظيماً على صحافة كتبٍ متينةٍ ورصينةٍ، قدمت على مدى عقودٍ خدمة عامةً للناس، ترشدهم إلى عناوين جديدةٍ وتعمل كجسرٍ بينهم وبين عالم النشر والكُتاب. ويبدو أن نهاية «عالم الكتب»، هي نهاية تقليدٍ راسخٍ عرفناه. وهذا التقليد في تراجع، ليس في أمريكا وحدها، بل في أرجاء العالم. حيث تتقلّص أقسام الكتب في الصحف أو تختفي. لتُفسح المجال أمام التقييم بالنجوم، وقوائم «الأفضل»، والتوصية المدفوعة بالخوارزميات، بدلاً من المراجعة الطويلة المتأنية.

في عالمنا العربي الحكاية أكثر مأساويةً. فصحافة الكتب المستقلة ماتت تماماً. وما تبقى منها سوى ركن صغير للكتب في بعض المجلات والصحف. تحت الضغوط ذاتها التي تضغط على نظيراتها في كل مكان، وهجرة الاهتمام إلى منصات التواصل الاجتماعي، والضغط الذي لا يرحم على الوقت والعمق الذي يفرضه الاقتصاد الرقمي. والنتيجة مفارقة غريبة. ينتج عالم النشر العربي اليوم من الكتب أكثر من أي وقت مضى. وتنتعش معارض الكتب في المدن العربية على نطاق واسعٍ. ويحتفي الناس بالكتب على وسائل التواصل. ومع ذلك، فإن البنية النقدية اللازمة لاستقبال تلك الكتب وتمحيصها والجدال حولها أهزل مما كانت عليه منذ عقود.

في هذه الفجوة يحاول دفتر الوقوف.

***

تحمل مفردة «دفتر»، والتي تقابلها الكراس أو الكُناش أو الإضبارة، معنى توثيق الأشياء. وما يدون فيها يجمع بين متابعة الجديد والتمهّل بما يكفي للحكم عنه. وقد اخترناها عن سابق قصد، إعلاناً عن نيّتنا التحريرية، في عصر كل شيء فيه يُبثّ ويُمرَّر بسرعة.

دفتر مجلة رقمية لمراجعات الكتب وفصول الكتب تصدر باللغة العربية. تركز أساساً على نشر مراجعات معمقةٍ للكتب الصادرة بالإنجليزية والفرنسية عن العالم العربي وإيران وتركيا والثقافات المجاورة التي تشترك مع المنطقة في تاريخها وقلقها، مثل الكرد، والأمازيغ، ومجتمعات أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تركت أواصر القرب والجوار مع العرب أعمق آثارهما. وهي كتب كتبها باحثون وصحفيون وكتّاب يعملون خارج اللغة العربية، وكثيراً ما يخاطبون القراء الناطقين بالعربية بطريقة غير مباشرة، ترجمةً أو في نصّها الأصلي. وهي تشكّل جسماً هائلاً من المعرفة لم يُفحص بما يكفي عن عالم يملك القراء العرب أسباباً وجيهة للاهتمام به.

وهذا التوجه المقصود ليس فعل استسلام ثقافي. بقدر ما هو مشاركة نقدية. نعتقد أن القراء العرب يستحقون معرفة ما يُكتب عنهم وعن منطقتهم بلغات أكاديمية وأدبية عالمية مهيمنة. ويستحقون فرصة الإقبال على تلك الكتب بكامل العدة النقدية التي يمكن للصحافة الجيدة توفيرها، من خلال بيان السياق والحجة والتشكيك، والتصحيح حين يكون لازماً.

مقاربتنا صحفية رصينة. نؤمن بأن أفضل مراجعة كتاب ليست تمريناً أكاديمياً ولا ملخّصاً تسويقياً. بقدر ما هي قطعة كتابة قائمة بذاتها، تكسب انتباه القارئ بجودة حجّتها. وهذا النوع من النقد يستلزم وقتاً ومساحة. لذلك فإننا لسنا في منافسة مع الفيديو القصير على نظرة القارئ العابرة، بل نخاطب قراء لا يزالون يؤمنون، كما نؤمن، بأن للفكرة المتأنية مستقبلاً، وأن ثمة أناساً مستعدين للجلوس أمام حجة صعبة، لمتابعة فكرة مركّبة عبر فقرات متعددة، للوصول إلى مكان مغاير لحيث بدأوا.

نعرف أن هذا القارئ موجود. لأنه كان دائماً موجوداً في الثقافة العربية، التي تمتلك واحداً من أعظم تقاليد النقد الأدبي والفكري في العالم، وتقاليد النقاش العلمي الرصين، والإيمان بأن اللغة أداة دقيقة بما يكفي للوصول إلى حقيقة الأشياء.

***

ثمة أيضاً إلحاح فيما نفعله يتجاوز الثقافة. فالعالم العربي، كغيره من مناطق الجنوب العالمي، موضوع كمٍّ هائل من الدراسات الأكاديمية والصحفية الأجنبية. وهذا الأدب يُشكّل السياسات ويُرسّخ الآراء ويبني الروايات التي تُفهَم المنطقة من خلالها في الخارج. ونادراً ما يلتقي القراء العرب بهذا الأدب مباشرةً. وحين يفعلون، كثيراً ما يجدون أن ثمة غياباً للإطار النقدي الجاهز لاستقباله، بلا تقليد راسخ لمراجعة من يكتبون عنّا، ولا عدّة لمواجهة النظرة الأجنبية بشروطها هي. ودفتر يحاول أن يكون ذلك الإطار. نريد أن نبني، بمرور الوقت، جسماً من الكتابة النقدية العربية حول الأدب الأجنبي المعني بهذه المنطقة، يتمتع بالرصانة بما يجعله مفيداً، وبالاستقلالية بما يجعله موثوقاً.

كنكم مراسلتنا على البريد الإلكتروني التالي: editor@daftar.reviews

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.