يحفظ معظم من درسوا في المدارس الثانوية الفرنسية صورة خريطةٍ معينة دون أن يسألوا أنفسهم يومًا عن أصلها: ثلاث دولٍ تحتل الطرف الشمالي من أفريقيا، يحدها البحر شمالًا، والصحراء جنوبًا، وحدود سياسية لإمبراطوريات أخرى شرقًا وغربًا. هذه المنطقة تحمل اسمًا يوحي بالعراقة والثبات – “المغرب العربي” – وكأنها نتاجٌ طبيعي للجغرافيا والتاريخ معًا. غير أن كتاب عبد المجيد حنوم يسعى إلى تفكيك هذا الوهم تمامًا، إذ يرى أن “المغرب العربي” اختراعٌ فرنسي بامتياز، لا بالمعنى الفضفاض الذي توصف به كل الجغرافيات السياسية بأنها بناءات، بل بمعنى أدق: أنه صُنع عمدًا، عبر بنية استعمارية استمرت قرابة قرن كامل، اعتمدت على منظومة هائلة من الخرائط والمسوحات الأثرية والنظريات اللغوية والتصنيفات العرقية والسرديات الأدبية، وكلها أدوات لما يسميه حنوم – مستعيرًا من فوكو وموسّعًا مفهومه – “تقنيات القوة الاستعمارية”.
ليست هذه الأطروحة جديدة من حيث المبدأ؛ فقد سبق أن طرقها إدوارد سعيد في “الاستشراق” (1978)، وفي. واي. موديمبي في “اختراع أفريقيا” (1988)، وحنوم نفسه يقر بفضل هذين العملين. لكن ما يميز مشروعه هو الجمع بين الدقة الأرشيفية والطموح النظري: فهو لا يكتفي بالقول إن المعرفة الاستعمارية تصنع الجغرافيا الاستعمارية، بل يتتبع بتفصيل مؤسسي ونصّي كيف تشكّل “المغرب العربي” قطعة قطعة، من عام 1830 حتى الاستقلال وما تلاه. يضم الكتاب ستة فصول تغطي علم الخرائط، وعلم الآثار، وعلم اللغة، والتمثيل الأدبي، والمقاومة المحلية، وتداعيات ما بعد الاستعمار – وهو اتساعٌ يشكّل في آن واحد نقطة قوة الكتاب ومصدر بعض ضعفه.
إدراكٌ خادع
يبدأ حنوم من مشكلة الإدراك ذاته. ففي 1966 نشر المؤرخ الفرنسي شارل أندريه جوليان، وهو مناهضٌ معروف للاستعمار، كتابًا بعنوان “تاريخ أفريقيا البيضاء”. العنوان وحده يكشف المشكلة: فكرة أن شمال أفريقيا ليست أفريقيا كاملة ولا الشرق الأوسط كاملًا، بل موقع وسيط غامض – أكثر بياضًا من أفريقيا، وأكثر بربرية من العربية، وأكثر متوسطية من الشرقية. وحين نزل الجنود الفرنسيون في سيدي فروش عام 1830، لم يكن هناك كيان متماسك بهذا الاسم أصلًا، بل فسيفساء من ولايات عثمانية وإمبراطورية شريفية واتحادات قبلية وهويات مدنية وتضامنات إسلامية متغيرة باستمرار. فكيف تبلور كل هذا التعقيد، بحلول منتصف القرن العشرين، ليصبح كيانًا يبدو مستقرًا اسمه “المغرب العربي”؟
يجد حنوم جزءًا من الجواب في إعادة قراءة ابن خلدون، الذي قدّم في “كتاب العبر” – أعمق دراسة لعلم الاجتماع القبلي في العصور ما قبل الحديثة – إطارًا مفاهيميًا استثمره الباحثون الفرنسيون في الحقبة الاستعمارية أيّما استثمار. عرّف ابن خلدون “المغرب” بوصفه مصطلحًا اتجاهيًا متغير الدلالة عبر العصور، يشمل مصر أحيانًا ويستثنيها أحيانًا أخرى، ويمتد أحيانًا إلى الأندلس ويتقلص أحيانًا إلى وحدة أصغر شمال غربي القارة؛ كان يدرك أن الجغرافيا ليست ثابتة، بل نتاج السياسة والسلالات والخطاب. غير أن الباحثين الاستعماريين قرأوه بطريقة مغايرة تمامًا: وجدوا في وصفه الدقيق للبنى القبلية البربرية أساسًا “علميًا” لنظرياتهم العرقية، وفي رواياته عن النزاعات الأسرية على الحكم مبررًا لسردية عدم الاستقرار المزمن التي تُسوّغ التدخل الفرنسي. وحتى ترجمة نصه على يد المستشرق دي سلين (1852-1856) لم تكن عملًا علميًا محايدًا، بل عملية استعمارية حوّلت علمًا عربيًا وسيطًا إلى مرجع للإداريين وعلماء الأعراق في القرن التاسع عشر.
يمثّل فصل الخرائط أعمق إسهامات الكتاب وأكثرها أصالة. يقرأ حنوم الخرائط كنصوص لا تُختزل فيما تصوّره فحسب، بل تشمل أيضًا اصطلاحات التسمية وما حُذف منها وتناقضاتها الداخلية. منذ القرن السابع عشر أطلقت الخرائط الفرنسية على المنطقة اسم “بربرية” (أرض البربر)، وبحلول القرن الثامن عشر كانت تُصوَّر كممالك منفصلة: فاس، والجزائر، وتونس، دون أي وحدة جامعة. مع غزو الجزائر عام 1830 بدأ التحول: أنتج رسامو الخرائط العسكريون الفرنسيون خرائط متزايدة التفصيل للجزائر ثم تونس ثم المغرب، رابطين إياها تدريجيًا تحت مسمى “أفريقيا الفرنسية”. وفي هذا التصور، أدت الصحراء الكبرى وظيفة مزدوجة: فصل المنطقة عن “أفريقيا السوداء” جنوبًا (حيث تتجلى الجغرافيا العرقية بوضوح عند جغرافيين مثل غوتييه)، وفي الوقت نفسه توحيدها داخليًا. هكذا تحولت الصحراء، من حاجز فاصل، إلى نسيج رابط في المخيلة الاستعمارية.
ويولي حنوم اهتمامًا خاصًا لسياسات التسمية: فمؤتمر برلين (1884-1885) الذي قسّم أفريقيا افتُتح بإشارة من بسمارك إلى خريطة رسمها الجغرافي دي كيبرت، وكانت الجغرافيا السياسية أساسًا عملًا خرائطيًا. ويوضح كيف أن أطالس المستعمرات اللاحقة – بدءًا بأطلس بول بيليه عام 1902 – رسّخت هذه القرارات في أدوات تعليمية وتربوية شكّلت وعي الأجيال، رغم أن بيليه نفسه أقرّ بأن المنطقة كانت آنذاك “عملًا قيد الإنجاز، ومستقبله غير مؤكد”.
علم الآثار في خدمة “المهمة الحضارية“
يُعدّ فصل الآثار من أكثر فصول الكتاب تأثيرًا. يقدّم حنوم مفهوم “الدولة التاريخية” – الإدارة الاستعمارية بوصفها ليست جهازًا سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل مؤسسة لإنتاج المعرفة تُبرر وجودها بروايات تاريخية منهجية. وفي قلب هذا الجهاز تبرز شخصية ستيفان غسيل، الذي أنتج أطلسه الأثري للجزائر (1902-1911) وتاريخه القديم لشمال أفريقيا في ثمانية مجلدات (1914-1930)، فيما يسميه حنوم “رومنة” المنطقة: إثبات أن المغرب العربي كان أرضًا رومانية في جوهره، وأن سكانه “الأصليين” كانوا من عصر ما قبل الحضارة، وأن الآثار البونية ما هي إلا تمهيد للانتصار الروماني. والمنطق هنا واضح: إذا كان المغرب رومانيًا وفرنسا وريثة روما، فإن فرنسا هي الوصي الطبيعي عليه. كانت “المهمة الحضارية” الاستعمارية، إذن، ادعاءً أثريًا في جوهرها.
وقد امتدت سلطة غسيل – أستاذ جامعة الجزائر ومفتش آثارها ثم أستاذ كوليج دو فرانس – إلى المجلات العلمية والأدلة السياحية وخرائط ميشلان؛ فدليل ميشلان للمغرب العربي عام 1920، أول منشور سياحي شامل عن المنطقة، استند مباشرة إلى سرد غسيل، ليشعر السائح في تمقاد أو وليلي أن هذه الآثار فرنسية أيضًا بمعنى ما، بينما يُدعى المواطن الخاضع للاستعمار إلى الاعتقاد بأن تاريخه بدأ مع روما واستأنف مع فرنسا، وأن كل ما بينهما – القرون العربية والإسلامية – مجرد انقطاع.
في النصف الثاني من الكتاب، ينتقل حنوم من المعرفة الاستعمارية إلى ردود الفعل المحلية عليها. حجته المركزية هنا مقلقة: أن مقاومة القوميين والمثقفين المغاربيين للرواية الفرنسية لم تتحرر من إبستمولوجيا الاستعمار، بل ظلت مشروطة بها، لأنهم استخدموا حتمًا أطرًا وفئات صاغها النظام الاستعماري نفسه. فحركة الإصلاح السلفية داخل الإسلام، مثلًا، تبنّت نسخة من التاريخ الإسلامي محت التقاليد الشيعية والتوفيقية في المغرب العربي القديم لصالح مذهب سني “نقي” – وهي نسخة تلاقت، على نحو مفارق، مع تفضيل الاستعمار لهوية “عربية” مبسّطة على حساب التعقيد الحقيقي للروابط البربرية والعثمانية والأندلسية.
ولا يوفر حنوم التأريخ ما بعد الاستعماري من النقد؛ فباحثون مثل عبد الله العروي أعادوا إنتاج الإطار الاستعماري نفسه وإن شككوا في استنتاجاته السياسية، إذ ظل “المغرب العربي” وحدة موحدة، والسؤال المطروح اقتصر على ما إذا كان تاريخها يخدم التحرر أم الهيمنة، دون طرح السؤال الأعمق: هل هذه الوحدة نفسها نتاج استعماري؟ ويرى حنوم أن هذا هو الإرث الأكثر رسوخًا للحداثة الاستعمارية: أنها تنتج التصنيفات التي يظل حتى منتقدوها أسرى التفكير ضمنها.
يُعدّ فصل “الشقوق” الأكثر كشفًا وأصالة، إذ يقرأ التناقضات الكامنة داخل الخطاب الاستعماري نفسه؛ فلا خطاب – مهما بلغت هيمنته – يخلو من التصدعات. فحضور تراث عربي إسلامي راسخ – ابن خلدون والإدريسي وابن حوقل – كان أقوى من أن يُمحى فاستوجب ترويضه بدل إلغائه. والبربر، الذين صنّفهم الخطاب الاستعماري “أصليين بيض” أقرب للاستيعاب الروماني والفرنسي، رفضوا الانصياع للنمط العرقي بتضامناتهم السياسية المعقدة وممارساتهم اللغوية المتنوعة. وليبيا، الجزء الجغرافي من المنطقة، ظلت خارج التصور الفرنسي لوقوعها تحت الحكم الإيطالي. أما مصر فصُنّفت تدريجيًا ضمن “الشرق الأوسط” – وهو اختراع بريطاني بحسب حنوم، الذي يستند إلى عمل دانيال فوليارد الحديث حول نشأة هذا المفهوم – لأن المصالح الفرنسية اقتضت خطًا فاصلًا واضحًا مع النطاق البريطاني.
يمتد الملحق إلى الحاضر بملاحظة دقيقة ومؤلمة: أن الفرنسية، لا العربية، لا تزال اللغة الأساسية للدراسات الأكاديمية حول المغرب العربي حتى في حقبة ما بعد الاستعمار. ففي دراسات الشرق الأوسط، يُعدّ إتقان العربية أو الفارسية أو التركية أو العبرية شرطًا أساسيًا، بينما لا يزال بالإمكان في دراسات المغرب العربي بناء مسيرة أكاديمية مرموقة بالاعتماد على الفرنسية وحدها. وهذا، بحسب حنوم، ليس عائقًا منهجيًا فحسب، بل دليل على أن التصنيفات الفرنسية الاستعمارية ما زالت تُشكّل هذا الحقل من الداخل دون وعي؛ فلا يمكن فهم المغرب العربي فهمًا كاملًا دون العربية والأمازيغية معًا.
تحفظات مشروعة
رغم قوة الكتاب، هناك بعض المآخذ. فالطموح متعدد التخصصات يُنتج تفاوتًا في المعالجة يشعر به القارئ بوضوح في النصف الثاني أكثر من الأول: فصول الخرائط والآثار تستفيد من أرشيف متسق وأسئلة مركزة، بينما تبدو فصول “استراتيجيات الحاضر” و”الشقوق” أكثر تشتتًا، متنقلة بين التاريخ الفكري والنظرية السياسية والنقد ما بعد الاستعماري بطريقة موحية لكن غير مكتملة الشرح دائمًا. كما أن حنوم أقدر على التحليل منه على التركيب: فآليات إدماج المعرفة المحلية في البنية الاستعمارية موصوفة بوضوح، لكن الإطار النظري العام الذي يتيح مقارنة هذا البناء بنظيره في الشرق الأوسط أو أفريقيا جنوب الصحراء يبقى ضمنيًا أكثر منه صريحًا، وعلاقة مفهومه بـ”تقنيات السلطة” بمفهوم فوكو الأصلي ليست دائمًا دقيقة. وفي بعض المقاطع يقترب مصطلح “الحداثة الاستعمارية” من أن يصبح تفسيرًا جامعًا شاملًا أكثر من كونه أداة تحليلية محددة.
كذلك كان يُؤمَل تفاعل أعمق مع الدراسات الحديثة حول شمال أفريقيا العثمانية؛ فحجة حنوم تقوم جزئيًا على تباين بين دولة عثمانية يصفها بأنها تفتقر إلى جهاز منهجي لإنتاج المعرفة، ودولة استعمارية فرنسية وظّفت الآثار واللغة والخرائط والإثنوغرافيا أدوات حكم. هذا الوصف دقيق إلى حد بعيد، لكنه يقلل من شأن تطور المعرفة الإدارية العثمانية في القرن الثامن عشر، ويتجاوز مسألة كيف شكّل الإطار العثماني هويات محلية اضطر الاستعمار الفرنسي لاحقًا للتعامل معها أو استيعابها أو قمعها. فالمغرب العربي لم يكن صفحة بيضاء عام 1830، بل فضاء سياسيًا عثمانيًا وما بعد عثماني معقدًا، وكان عنف الاختراع الاستعماري، في جانب منه، عنف تدمير نظام إمبراطوري لإحلال آخر محله.
هذه ملاحظات نقدية من داخل الإطار الذي رسمه الكتاب لنفسه، ولا تنتقص من إنجازه الأساسي. “اختراع المغرب العربي” عمل بالغ الأهمية، لا لمؤرخي شمال أفريقيا أو باحثي الاستعمار وحدهم، بل لكل مهتم بآليات إنتاج التصنيفات الجغرافية وتطبيعها. وتكمن أعمق رؤى حنوم في بعدها الفينومينولوجي لا التاريخي فحسب: فالمغرب العربي، كما يجادل، ليس مجرد بناء زائف بمعنى أنه “خطأ” يمكن تصحيحه بإزالة رواسب الاستعمار؛ فكل الحقائق الجغرافية بناءات، والسؤال الحقيقي هو: من يبنيها؟ ولأي غرض؟ وبأي تقنيات سلطة؟ ولمن؟ فالمغرب العربي موجود لأن الناس يعيشون فيه ويتماهون معه، ولأن تاريخه كُتب بطرق تمنحه التماسك، ولأن حدوده رُسمت وأُعيد رسمها بفعل قوى لها مصلحة في استقراره. لكنه، مع ذلك، اختراع استعماري تجاوز المشروع الذي أنتجه، وأصبح اليوم الإطار الذي يفهم من خلاله سكان المنطقة تاريخهم وهويتهم وإمكاناتهم السياسية.
إنها فكرة مقلقة، ولا يتردد حنوم في مواجهة تبعاتها. فالصفحات الأخيرة من الخاتمة تتيح لحظة من الأمل الطوباوي بأن تتلاشى يومًا الخطوط الفاصلة بين المغرب العربي وأفريقيا والشرق الأوسط، وأن يتوقف التواصل الإنساني عن أن تحده الجغرافيا سجنًا – أملٌ يصفه حنوم نفسه بأنه “أمل للمستقبل لا للحاضر”. أما الحاضر، كما يبرهن ببحثه الدقيق والرصين، فما زال أسيرًا لصمود الجغرافيا الاستعمارية، ولصعوبة – بل ربما استحالة – التفكير خارج التصنيفات التي أنتجتها.




