Skip to main content Scroll Top

 ثمن الصمت: تاريخ عالمي لـ «المافيا»

«المافيا: تاريخ عالمي»
ريان جينجيراس، سايمون وشوستر/ أفيد ريدر برس، 2026. 547 صفحة

ثمة مفارقة متكررة في دراسة الجريمة المنظمة: كلما تأملتها أكثر، بدت أقل استثنائية. يفتتح ريان جينجيراس، أستاذ شؤون الأمن القومي في المدرسة العسكرية للدراسات العليا في مونتيري، ومؤلف ستة كتب سابقة – كثير منها يتعلق بالإمبراطورية العثمانية وانهيارها العنيف – كتابه الجديد “المافيا: تاريخ عالمي”، بمشهد يجمع بين الخصوصية والدلالة في آنٍ واحد. يمشي في شوارع برونكس برفقة جده تشارلي فيتزباتريك: مارين قاتل في غوادالكانال، عميل للمكتب الفيدرالي للتحقيقات مندسٌّ في صفوف الحزب الشيوعي الأمريكي، ومدير مدرسة ابتدائية، وفوق هذا كله — رجل يحمل حكايات لا تنضب. كانت حانة الحي التي عمل فيها تشارلي بعد الحرب يرتادها ويلي موريتي، المرجّح أنه مصدر إلهام شخصية لوكا براسي في فيلم ”العرّاب”. وكان “نادي فيتو” الاجتماعي في شارع كروسبي، بلافتته الزرقاء البراقة وملصقه الذي يجمع أبطال أفلام هوليوود الإجرامية، دعايةً لا تُحتمل صراحتها. أن تمشي في شوارع بيلهام باي مع تشارلي، كما يكتب جينجيراس، كان معناه أن تتلقى دورة تدريبية عميقة عن عالم سفلي قليل من يعرف أسراره.

لاتبدو هذه المقدمة العائلية مجرد تهيئة للأجواء. فهي إعلان عن القناعة المحورية التي تُحرّك الكتاب كله: أن تاريخ المافيا لا ينفصل أبداً عن تاريخ المجتمعات التي تُنتجها وتتسامح معها وتُضفي عليها الأسطورة، بل وتُحكَم أحياناً باسمها. لا ينشغل جينجيراس في المقام الأول بالآليات التشغيلية للجريمة المنظمة — كيفية إدارة المافيا الصقلية لشبكات الحماية، أو الطريقة الدقيقة التي سيطرت بها ياماغوتشي-غومي على ثمانين بالمئة من البضائع العابرة لميناء كوبي. ما يعنيه هو الشروط الثقافية والسياسية التي تتيح لهذه التنظيمات الازدهار، والدور الخاص الذي أدّاه مفهوم “المافيا” في تشكيل فهم الدول الحديثة والمواطنين للسلطة والفساد وحدود القانون. فالكتاب، بهذا المعنى، تاريخٌ فكري يرتدي زيّ قصة جريمة.

حجم طموح جينجيراس كبير، وتجدر الإشارة إليه صراحةً: هذا واحد من أكثر الكتب شمولاً وإحاطةً في تاريخ الجريمة المنظمة الذي كُتب في العالم حتى الآن. نطاق تغطيته لافت. على مدى خمسمائة صفحة تقريباً، ينتقل الكاتب من قطاع الطرق في جبال اليونان والأراضي الرومانية إلى المافيا الصقلية والكامورا النابولية وندرانغيتا الكالابرية؛ ومن الياكوزا والثلاثيات الصينية إلى كوزا نوسترا الأمريكية والكارتيلات الكولومبية؛ ومن مهربي الأفيون في البلقان العثماني إلى مروجي المخدرات في البقاع اللبناني وأصحاب مشاريع الميثامفيتامين في أفغانستان. يمتد مداه الزمني من العصور القديمة حتى عام 2022.

ما قبل تاريخ المافيا

يُقسَّم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: النشأة، والتوطيد، والتحوّل – هيكل ثلاثي يعكس حجةً تطورية في جوهرها.  يرى جينجيراس، أن المافيا ليست ظاهرة قديمة. إنها، في صورتها الحديثة المعروفة، وليدة القرنين التاسع عشر والعشرين. فهي نتاج التصنيع، والتحضر، والهجرة الجماعية، والنوع المحدد من التشريعات الأخلاقية مثل حظر القمار والكحول والمخدرات والدعارة، الذي خلق أسواقاً غير مشروعة مربحة. حتى كلمة “مافيا” ذاتها لم تشيع إلا في ستينيات القرن التاسع عشر، في أعقاب الوحدة الإيطالية، واكتسبت دلالاتها العالمية عبر الثقافة الشعبية الأمريكية — لا سيما من خلال ‘العرّاب” ثم “السوبرانوز”،  لا من خلال أي انتشار طبيعي للثقافة الإجرامية الصقلية. تبدو هذه حجة قوية وقابلة للدفاع، وإن كانت أحياناً أكبر مما تستوعبه الأدلة التي يسوقها الكاتب في فصول بعينها.

في الأقسام الافتتاحية عن قطع الطرق – ما يُسميه الكاتب “ما قبل تاريخ” المافيا – نجد مادة ثرية وتكشف عن جهد بحثي عميق. يستعين الكاتب بمهارة بإحالة عالم الاجتماع تشارلز تيلي إلى أن تكوين الدول هو في ذاته نوع من الحماية المنظمة بالإكراه: فرض الضرائب والجزية لا يختلف جوهرياً عن مطالب قُطّاع طرق، إلا أن الدولة تبلغ في نهاية المطاف احتكار العنف فتكتسب وهم الشرعية. هذه المقارنة بين “الجرائم المنظمة” لصناعة الدولة وجرائم المافيا تجري كلازمة مستقرة عبر الكتاب. يستشهد جينجيراس بقصة بولا فيليكس، وهو زعيم قُطّاع طرق روماني في القرن الثاني، الذي ردّ على حارسه البراتوري بسؤال يحمل طابع الحكمة القديمة: “ولمَ أنت عميد؟” يتقاطع المنطق ذاته، يقترح جينجيراس، مع علي باشا يانينا، البانيتوري المتحوّل إلى حاكم عثماني الذي رومنسه بايرون ووجد فيه اللورد بروتون مجرد شخص رثّ: رجل لا يختلف في الجوهر عن زعيم عصابة، لكنه أفلح بالعنف والدهاء السياسي في اكتساب لقب “حاكم”. هذا القوس الممتد من قاطع الطريق إلى رجل الدولة – وما ينطوي عليه من إيحاء مزعج بأن الفارق بينهما هو الدرجة والامتداد في الزمن – يظل من أكثر أفكار الكتاب استمراراً في الإثارة.

حين يتحول جينجيراس إلى تحليل تاريه المافيا الحديث في مطلع القرن العشرين، يكتسب السرد قدراً أكبر من الدقة والتشويق. تتسم روايته لأصول المافيا الصقلية بالحذر الذي يميّز بين واقع التنظيم – شبكة فضفاضة من المجتمعات الإجرامية المحلية يربطها الصمت والتزام متبادل وعنف طقسي – وبين الأسطورة التي تراكمت حولها، أولاً في صحف إيطالية ونقاشات برلمانية ثم في صحافة أمريكية صفراء وشهادات قضائية. كان مفهوم المافيا كعصابة موجوداً لكنه لم يكن بالتماسك ولا القدرة اللذين أوحى بهما مؤرخوه الأوائل. مثل وليم ترولوب، حين كتب عام 1877، وصف مؤامرة “تتغلغل في النخبة والفقراء” في صقلية وتجد حلفاء في برلمان روما. لم يكن مخطئاً كلياً. لكنه كان يُسقط على واقع اجتماعي معقد رواية بعينها عن بربرية جنوب إيطاليا، خدمت قراءه ومنظومة سياسية إيطالية شمالية بقدر ما صوّرت الحقيقة.

تاريخ عالمي

في الفصل المتعلق بالمافيا الأمريكية، التي تبدأ بحقبة الحظر، وصعود كابوني وعائلات نيويورك، وجلسات كيفوفر، وظهور “الجريمة المنظمة”، يحلل الكاتب الطريقة التي شيّد بها الفكرُ الأمريكي صورة مافيا أمريكية واحدة موحدة – لا كوزا نوسترا، حكومة سرية من الأمريكيين الإيطاليين تعمل في ظل المجتمع الشرعي – وهي صورة كانت في معظمها من صنع القضاء والصحافة، ضخّتها الثقافة الشعبية ضخاً هائلاً. خاصة من خلال شهادة جوزيف فالاكي أمام لجنة ماكليلان عام 1963، حين وصف عائلات نيويورك الخمس بمصطلحات مؤامراتية توحي بوجود دولة موازية، أخبرت المشرّعين وملايين مشاهدي التلفزيون ما أرادوا أن يسمعوه. لكن الواقع، كما يُنبّه جينجيراس، كان أكثر فوضى: فهي مجموعة مشاريع إجرامية تتقاطع مصالحها وتتخللها نزاعات عنيفة متكررة، لا حكومة ظل منضبطة.

وتأتي أكثر إسهامات الكتاب أصالةً في فصوله الأقل شهرةً، وأساساً عن إعادة الياكوزا اختراع نفسها اختراعاً مذهلاً في أعقاب الحرب، وعن تشابك الثلاثيات الصينية مع جيوسياسية الحرب الباردة، وعن الجذور العميقة لتجارة المخدرات في السياسة الدولية العثمانية والتركية. ألقى عمل جينجيراس السابق عن تركيا عليه بصيرة في تجارة المخدرات العالمية لا يتمتع بها معظم مؤرخي الجريمة المنظمة. روايته لكيفية توجيه خط الهيروين من جنوب غرب آسيا إلى أوروبا الغربية — ما بات يُعرف بـ”الوصلة الفرنسية” — عبر إسطنبول ومارسيليا ونيويورك في نهاية المطاف، تتسم بعمق يُميّزها عن معالجات الصحافة الجنائية المعتادة. حيث يُظهر كيف تلاقت السياسة التركية واستراتيجية الحرب الباردة الأمريكية وبراعة المافيا الصقلية التجارية بطريقة لم يُسيطر عليها أيٌّ من الأطراف كلياً أو يقصدها.

أما فصل الياكوزا في اليابان ما بعد الحرب فهو من أجمل مشاهد الكتاب. صورة كينوسوكي أوزو — المُتخلى عنه في الثانية من عمره، الذي تربّى في كنف أب ماجن وزوجة أب حرفتها الدعارة، المعترف بقتله ما يقارب ثمانين رجلاً — وهو يتحول إلى رئيس لـ”رابطة باعة الشوارع في شينجوكو” ثم رجل أعمال أنيق يعترف لصحفي أمريكي بإعجابه القديم بآل كابوني، هي صورة بالغة الدلالة حقاً. في أعقاب الكارثة تغدو الحدود بين المشروع والإجرامي غير مرئية إلى حدٍّ بعيد. فقد خلق الاحتلال الأمريكي لليابان، شروطاً أُتيحت فيها للشبكات الإجرامية الراسخة أن تُقدّم نفسها حارسة للنظام في فراغ الحوكمة. فلم يكن صعود الياماغوتشي-غومي من عصابة صغيرة في كوبي إلى كونغلوميرات إجرامي يضم أكثر من عشرة آلاف عضو مجرد حكاية طموح عصابات؛ بقدر ما كان جوهر الاقتصاد السياسي للاحتلال وإعادة الإعمار.  فيما يقدم القسم المتعلق بالكريز في لندن الأنيقة نموذجاً مضاداً. فهو دراسة حالة في الطموح إلى مافيا دون تنظيمها. تُقرأ زيارة رونالد كراي لمنزل جو غالو في ريد هوك عام 1966 — القزم “الشرير” يحوم خلفه بتهديد، والأجواء الكهربائية، ومزيج رونالد من الانبهار الذي يُربك المشاهير والقلق – كمشهد من فيلم عن القلق من الشهرة. وهو بالضبط ما يُريد جينجيراس قوله. لم يكن الكريزان في جوهرهما إلا ظاهرة إعلامية. مجرمان مشهوران في لحظة كانت الصحافة البريطانية تتوق إلى نسختها المحلية من بريق المافيا الأمريكية.

تاريخ شعبي

يبرع جينجيراس كذلك في تحليل العلاقة بين الثقافة الشعبية والتاريخ الحقيقي للمافيا. حجته بأن فيلم ”العرّاب” لم يعكس ببساطة واقعاً مسبق الوجود بشأن الجريمة المنظمة بل أسّس ذلك الواقع فعلياً — مقدماً نموذجاً أتاح للجماهير في أنحاء العالم أن تفهم ما هي “المافيا”، ولمجرمين حقيقيين أن يفهموا طموحاتهم وتقديمهم لأنفسهم — ليست حجة أصيلة – فقد طرحها علماء من إريك هوبسباوم إلى توم بيهان- لكنها تُصاغ هنا بعناية خاصة. فبيهان الذي أثنى على الفيلم عام 1972 لأنه أشبع رغبة الجمهور في الاعتقاد بأن “الأمراء الحقيقيين الذين يحكموننا هم سادة خفيون، قديرون لكن مجهولو الهوية”، كان يُشخّص شيئاً حقيقياً في جاذبية الفيلم. المافيا، بوصفها مفهوماً، تُقدّم حلاً لمشكلة غموض السلطة الظاهر. إن صدّقت أن منظمة سرية تُدير الأمور من وراء الستار، امتلكت تفسيراً – مهما كان زائفاً – لسبب كون العالم عشوائياً فاسداً لا يمكن حكمه. وجاذبية هذا التفسيرلم تزد إلا مع تراجع الثقة في المؤسسات الشرعية.

في القسم الختامي من الكتاب، عن المافيا في القرن الحادي والعشرين، يسكّ جينجيراس عبارة “التخفيف الكبير” ليصف عالماً باتت فيه الفئات القديمة — مافيا، إرهابي، دولة، شركة — يصعب التمييز بينها. يحذر جينجيراس من خطاب “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” الذي خدم في مناسبات مختلفة أغراض السياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية، مع إقراره بأن الروابط التجريبية بين العنف السياسي والجريمة المنظمة كثيراً ما تكون حقيقية وذات شأن. غير أن هذا القسم الأخير تبرز فيه بوضوح أكبر مشكلة هيكلية للكتاب، وهي الانزلاق بين نبرتين. ثمة لحظات من الوضوح التحليلي الحقيقي وأخرى من الإحصاء المتسارع، إحساس بأن جينجيراس يقطع المشهد بسرعة مفرطة، يُلقي بالأسماء والأحداث دون أن يجد وقتاً كافياً لاستيعابها في حجته. فصل الكارتيلات الكولومبية وتجارة الكوكايين العالمية يبدو متسرعاً مقارنة بالتحليل الأكثر تأنياً للياكوزا والمافيا الصقلية. وكذلك القسم المتعلق بالشبكات الإجرامية الأفريقية مضغوط حتى يكاد يبدو عابراً.

ثمة أيضاً، أحياناً، انزلاق مفاهيمي حول كلمة “مافيا” ذاتها، الكلمة التي يفحصها جينجيراس بهذه العناية في مقدمته. يُقرّ بأن المصطلح “يُستخدم بتساهل” وأن الأكاديميين يُفضّلون صياغات أكثر حيادية كـ”مجموعات الجريمة المنظمة” أو “مجموعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود”. لكن التغطية الواسعة الاستيعاب للكتاب تُلزمه بتطبيق المصطلح بسخاء، وثمة فصول يصبح فيها غير واضح حقاً ما الذي يوحّد الظواهر الموصوفة تحت هذه المسمى. هل نقطة تقاطع الإرهاب والجريمة تُفهم بالأحرى بوصفها ظاهرة “مافيا”، أم أنها شيء آخر، تقارب من العنف السياسي ومنطق السوق وفشل الدولة يُنير إطار المافيا بعضه ويُعتّم بعضه الآخر؟ السؤال مطروح لكنه لم يُجَب عنه بإسهابٍ.

لكن ما يظل راسخاً في الدهن من هذا العمل الموسوعي، هو حجته المركزية عن كون الدول والمافيا ليست ظاهرتين متقابلتين ببساطة، إنهما نتاجان متشابكان للقوى التاريخية ذاتها، يُعرّف كلٌّ منهما نفسه جزئياً بالنسبة للآخر. المافيا لم يستوردها المهاجرون الصقليون إلى أمريكا؛ لقد اخترعت في أمريكا – أو على الأقل اكتسب معناها العالمي المعاصر فيها. الياكوزا لم تنجُ من الاحتلال الأمريكي لليابان رغم أنها نجت جزئياً بسببه. “الحرب على المخدرات” لم تُضعف تجارة المخدرات العالمية؛ بل أعادت هيكلتها وعزّزتها في جوانب كثيرة. و”الحرب على الإرهاب” لم تفصل بين الإرهاب والجريمة المنظمة؛ بل كشفت أن هذا التمييز كان دائماً سياسياً أكثر منه تجريبياً.  هذه خلاصات جذرية، ويستخلصها جينجيراس بشيء يشبه رباطة الجأش. جده تشارلي فيتزباتريك – المارين والشيوعي وعميل المكتب الفيدرالي ومدير المدرسة – عاش حياة شكّلتها أمريكا التي تضم كل التناقضات، ولم تعرف في أغلب الأحيان ماذا تفعل بها. المافيا التي كانت تتردد على حانات البرونكس كانت تعبيراً عن الحياة الأمريكية.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.