Skip to main content Scroll Top

الإمبراطورية الجديدة للذكاء الاصطناعي: مستقبل اللامساواة العالمية

Rachel Adams
The New Empire of AI: The Future of Global Inequality
Polity 2024

يأتي كتاب “الإمبراطورية الجديدة للذكاء الاصطناعي: مستقبل اللامساواة العالمية” للباحثة رايتشل آدامز، الصادر عن دار Polity، في لحظة مفصلية من النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، حين تتزاحم الأصوات بين من يبشّر بالتقنية كمنقذ للبشرية ومن يحذّر من مخاطرها الوجودية البعيدة. غير أن آدامز، التي أمضت أكثر من خمسة عشر عامًا تعمل في مجال حقوق الإنسان وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في جنوب أفريقيا والقارة الأفريقية، تختار مسارًا ثالثًا نادرًا ما يُطرق بالعمق نفسه: فهي لا تسأل “هل الذكاء الاصطناعي خيّر أم شرير؟”، بل تسأل “لمن يعمل هذا النظام، ومن يدفع ثمنه؟”. والإجابة التي تبنيها عبر فصول الكتاب صادمة في بساطتها ومقلقة في اتساقها: الذكاء الاصطناعي ليس أداة محايدة تتوزع منافعها ومخاطرها بالتساوي، بل هو بنية جديدة من بنى الهيمنة الاستعمارية القديمة، تعيد إنتاج علاقات الاستغلال والتبعية بين “الشمال” الذي يصمم التقنية ويربح منها، و”الجنوب” أو ما تسميه المؤلفة “العالم الأغلبي” (majority world) الذي يمدّها بالمواد الخام والعمالة الرخيصة وحقول التجريب، دون أن ينال من عوائدها إلا الفتات. وهذا الكتاب، في جوهره، ليس عملًا أكاديميًا جافًا محصورًا في أروقة الجامعات، بل محاولة جادة لكتابة تاريخ سياسي واقتصادي للذكاء الاصطناعي من زاوية نظر نادرًا ما تحظى بمنصة في الخطاب الغربي السائد حول هذه التقنية: زاوية أفريقيا والعالم غير الغربي.

تفتتح آدامز كتابها بمقدمة شخصية تشرح فيها كيف نشأ اهتمامها بهذا الموضوع من عملها الميداني في مجال حقوق الإنسان بجنوب أفريقيا، حيث لاحظت أن قدرة الدول الأفريقية على حماية حقوق مواطنيها بدأت تتقوض تدريجيًا مع صعود التقنيات الرقمية الجديدة وأشكال القوة العالمية المتشابكة معها. ولاحقًا، أثناء عملها البحثي في المملكة المتحدة، شهدت اللحظة التي تحوّل فيها الذكاء الاصطناعي إلى كلمة سحرية في الخطاب السياسي الغربي، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بأثره على العالم غير الغربي مغيّبة تمامًا عن النقاش. هذه الخلفية الشخصية والمهنية تمنح الكتاب مصداقية ميدانية نادرة، فآدامز لا تكتب من موقع المراقب النظري البعيد، بل من موقع من عايش تداعيات الأنظمة الرقمية والخوارزمية على حياة الفقراء والمهمشين مباشرة. ويتجلى هذا بوضوح في القصة التي تفتتح بها مقدمتها عن الوكالة الجنوب أفريقية للضمان الاجتماعي، حين تعاقدت الحكومة مع شركة خاصة لتوزيع المنح الاجتماعية على نحو سبعة عشر مليون مستفيد، فاستغلت الشركة الأم بيانات المستفيدين المصرفية لتسويق قروض ربوية لأفقر شرائح المجتمع، حتى وصلت النتيجة في إحدى الحالات الموثقة إلى أن أمًّا جاءت لتسحب منحة طفلها الشهرية فوجدت أن الخصومات الآلية لم تترك لها سوى مبلغ زهيد لا يمكن للصراف الآلي نفسه صرفه. هذه الحادثة، التي تسبق الذكاء الاصطناعي بمعناه الحالي لكنها تمثل نموذجًا مبكرًا لصنع القرار الآلي، تصبح استعارة مركزية يعود إليها الكتاب مرارًا: الأنظمة الآلية حين تُطبَّق في سياقات ضعيفة المؤسسات لا تحرر الناس من الفقر، بل تحوّله إلى فخ محكم يصعب الإفلات منه.

يتوزع الكتاب على مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، إضافة إلى قائمة قراءات مقترحة وفهرس مراجع موسّع يعكس عمق البحث الذي استندت إليه المؤلفة. تضع المقدمة، المعنونة “انقسام الذكاء الاصطناعي”، الإطار النظري العام للكتاب، قبل أن ينتقل الفصل الأول، “نظام عالمي جديد”، إلى تتبع نشأة الذكاء الاصطناعي وصعود “حكّام العالم” الجدد من الشركات والدول الكبرى. ثم يناقش الفصل الثاني، “ثمن الذكاء الاصطناعي”، الاقتصاد السياسي للصناعة ومنطقها الاستعماري، بينما يغوص الفصل الثالث، “العالم المادي للذكاء الاصطناعي”، في البنية التحتية الفيزيائية للتقنية من معادن وطاقة وتلوث. وينتقل الفصل الرابع، “التقسيم الجديد للعمل”، إلى العمالة الرقمية غير المرئية التي تُبقي الأنظمة الذكية تعمل، فيما يبحث الفصل الخامس، “صالح لأي غرض؟”، في التطبيقات الأمنية والبيومترية للذكاء الاصطناعي في السياقات الهشة. أما الفصل السادس، “لغة واحدة تحكمهم جميعًا”، فيناقش هيمنة اللغة الإنجليزية والقوالب الثقافية الغربية داخل النماذج اللغوية، قبل أن يطرح الفصل السابع، “المخرج”، رؤية بديلة قائمة على أخلاقيات ما بعد الاستعمار، لتختتم آدامز كتابها بخاتمة بعنوان “سياسات الثورة الجديدة” تدعو إلى فعل جماعي يتجاوز مجرد إصلاح الأنظمة القائمة. وهذا التسلسل ليس عشوائيًا، بل يحاكي بنية سردية متصاعدة تنتقل من التشخيص النظري إلى التحليل الاقتصادي فالمادي فالإنساني فالسياسي فالثقافي، وصولًا إلى المقترح الإصلاحي والدعوة للفعل، وهو تدرج يجعل الكتاب مقنعًا بنيويًا، إذ لا يُترك القارئ مع تشخيص كئيب بلا أفق، بل يُقاد تدريجيًا نحو تصور بديل، وإن كان هذا التصور – كما سأناقش لاحقًا – أقل تفصيلًا من التشخيص نفسه.

يكمن جوهر أطروحة آدامز في استخدامها المتعمد والمدروس لمفردة “الإمبراطورية” لا كاستعارة بلاغية عابرة، بل كأداة تحليلية دقيقة، إذ تُظهر كيف أن بنية صناعة الذكاء الاصطناعي المعاصرة تكرر، بتفاصيل مذهلة، الأنماط البنيوية للإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية التقليدية. فكما كانت الإمبراطوريات القديمة تستخرج الموارد الخام من المستعمرات لتُصنَّع في المتروبول ثم تُباع بأرباح طائلة، كذلك يستخرج الذكاء الاصطناعي المعاصر “المواد الأولية” الرقمية من العالم الأغلبي، من بيانات شخصية ومعادن نادرة وعمالة رخيصة، ليحوّلها إلى منتجات وخدمات عالية القيمة تدرّ أرباحها على شركات مقرها الأساسي في الولايات المتحدة والصين وأوروبا. وتستشهد آدامز في هذا السياق بتقرير شهير أصدرته مؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز عام 2017 توقّع أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، لكنها تلفت الانتباه إلى التوزيع الصادم لهذه الأرباح المتوقعة: تستأثر الصين وأمريكا الشمالية وأوروبا بنحو 85 بالمئة من هذه “الجائزة”، بينما تُلحق القارة الأفريقية بأكملها – التي تضم نحو 18 بالمئة من سكان العالم – بمنطقة أوقيانوسيا وأجزاء من آسيا الأقل نموًا في تصنيف واحد هامشي على الخريطة. وفي المقابل، تشير توقعات البنك الدولي إلى أن 90 بالمئة من فقراء العالم المدقعين سيتركزون في أفريقيا جنوب الصحراء بحلول العام نفسه الذي يُفترض أن يشهد هذه الطفرة الاقتصادية الهائلة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. هذا التناقض الإحصائي الصارخ، الذي تعرضه المؤلفة عبر رسمين بيانيين مؤثرين، هو بمثابة دليل الإدانة الذي تبني عليه بقية الكتاب حججها. ولا تكتفي آدامز بهذا المستوى الاقتصادي من التحليل، بل تلاحظ أيضًا أن الخطاب المهيمن حول “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” يكرر بنية الخطاب الاستعماري القديم الذي كان يقدّم الاستعمار بوصفه مهمة أخلاقية تحضيرية، فحين تُصوَّر مشكلة الذكاء الاصطناعي على أنها مسألة “استخدام سيئ” يمكن تصحيحه بمزيد من النشر والتطبيق، لا مسألة بنيوية في توزيع القوة والملكية، فإن هذا الخطاب يعيد إنتاج نفس المنطق الذي كان يبرر التدخل الاستعماري بحجة المساعدة، بينما تظل موازين القوة والربح كما هي.

من أقوى فصول الكتاب وأكثرها إقناعًا هو الفصل الثالث الذي يفكك الوهم الشائع بأن الذكاء الاصطناعي “افتراضي” أو “سحابي” لا أثر مادي له. تسرد آدامز هنا تاريخًا موثقًا بدقة لاستخراج الكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية، رابطة بين تاريخ شركة “يونيون مينيير” الاستعمارية البلجيكية، التي استمرت في نهب موارد الكونغو حتى بعد الاستقلال الشكلي عام 1960 عبر ديون واتفاقيات مجحفة فرضتها بلجيكا على الحكومة الوليدة، وبين الشركة الحالية “يوميكور” التي تُعد اليوم من كبرى الشركات المستخرجة للمعادن النادرة اللازمة لصناعة الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي. والاستمرارية هنا ليست مجازية، بل حرفية: فنفس الشركة، بعد اندماجها وتغيير اسمها، لا تزال تستخرج نفس الموارد من نفس الأرض بعد أكثر من ستين عامًا. ثم تنتقل المؤلفة إلى صحراء أتاكاما في تشيلي، حيث يُستخرج الليثيوم اللازم لبطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الذكية من برك تبخير هائلة تستنزف المياه الجوفية النادرة أصلًا في أكثر بقاع الأرض جفافًا، مهددة الحياة البرية وفي مقدمتها طيور الفلامنغو، وكذلك التراث الثقافي للشعوب الأصلية التي عاشت قرونًا في توازن دقيق مع ندرة الماء هناك. والمفارقة التي تبرزها آدامز بذكاء هي أن هذه الصناعة تُسوَّق عالميًا بوصفها جزءًا من الحل المناخي عبر السيارات الكهربائية “النظيفة”، بينما هي في الواقع تُنتج أشكالًا جديدة من الضرر البيئي والاجتماعي تتحمّلها المجتمعات الأقل استفادة من هذا “الحل”. ويقدّم هذا الفصل، في مجمله، نموذجًا تحليليًا يمكن تعميمه على مواضع كثيرة أخرى: فالبنية التحتية المادية للذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات الشرهة للطاقة إلى الكابلات البحرية إلى المعادن النادرة، موزعة جغرافيًا بطريقة تُبقي مواقع الاستخراج والتلوث والاستنزاف في “الأطراف”، بينما تتركز مواقع التصميم والملكية الفكرية والأرباح في “المركز”.

وفي الفصل الرابع تنتقل آدامز إلى بُعد إنساني مباشر، هو جيوش العمال غير المرئيين في كينيا والفلبين والهند وفنزويلا وغيرها، الذين يقومون بمهام تصنيف البيانات ووسم الصور والإشراف على المحتوى اللازمة لتدريب النماذج الكبرى، غالبًا مقابل أجور زهيدة جدًا وفي ظروف نفسية قاسية، إذ يضطر كثير منهم لمشاهدة محتوى عنيف أو صادم لساعات طويلة يوميًا لتنظيف منصات التواصل الاجتماعي وأنظمة الذكاء الاصطناعي من هذا المحتوى قبل أن يصل للمستخدم النهائي في الغرب. وتصف المؤلفة هذا العمل بأنه استمرار لتقسيم العمل الاستعماري: العمل الشاق وغير المرئي في الأطراف، والابتكار المرئي المربح في المركز. أما الفصل الخامس فينتقل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والبيومتري، حيث تناقش المؤلفة كيف تتحول الدول ذات المؤسسات الديمقراطية الهشة إلى ساحات تجريب لأنظمة تعرّف بيومتري ومراقبة جماهيرية دون الضمانات القانونية الكافية، وهو ما يُخضع مواطنيها لأشكال من المراقبة والتنميط لا تخضع لها نظيراتهم في الدول الغربية التي وضعت، على الأقل نظريًا، أطرًا تنظيمية أكثر صرامة. ثم يأتي الفصل السادس، وربما أكثر الفصول ابتكارًا من الناحية الفكرية، ليتناول كيف تُهيمن اللغة الإنجليزية والنماذج الثقافية الغربية المضمّنة فيها على تصميم النماذج اللغوية الكبرى، فالنماذج المدرَّبة أساسًا على نصوص إنجليزية أو أوروبية تحمل تحيزات ثقافية وقيمية ضمنية، وحين تُطبَّق على سياقات لغوية وثقافية مختلفة تمامًا، فإنها إما تفشل في فهم الفروق الدقيقة، أو تفرض عن غير قصد أحيانًا رؤى العالم الغربية بوصفها معيارًا كونيًا. وبهذا يوسّع الفصل مفهوم “الإمبريالية” ليشمل بُعدًا معرفيًا ولغويًا، لا اقتصاديًا أو ماديًا فحسب.

بعد ستة فصول من التشخيص الكاشف والمقلق، يحاول الفصل السابع أن يقدم بدائل. وهنا تستحضر آدامز مصادر فكرية غير غربية للتفكير في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، أبرزها مفهوم “الأوبونتو” الأفريقي الذي يقوم على فكرة أن الشخصية الإنسانية لا تتحقق إلا في علاقتها بالجماعة والبيئة المحيطة، وتستعرض كيف يمكن لهذا الإطار أن يعيد تشكيل النقاش حول الخصوصية والبيانات بعيدًا عن الفردانية الليبرالية الغربية الضيقة. كما تناقش دعوات لأخلاقيات بينية ثقافية تتيح للمركز أن يتعلم من الأطراف بدلًا من فرض معاييره عليها فقط، وتستعرض تجربتها الشخصية في قيادة مشروع لإنشاء مؤشر عالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول، يُعد أول أداة قياس عالمية بهذا الحجم تنطلق من القارة الأفريقية. وتروي المؤلفة أيضًا قصة مثيرة للقلق عن شركة “كامبريدج أناليتيكا” التي فُضح دورها في التأثير على انتخابات ترامب واستفتاء البريكست، لكن قبل ذلك بسنوات كانت الشركة الأم قد جرّبت تقنياتها نفسها في ترينيداد وتوباغو عام 2010 ونيجيريا عام 2015، مستخدمة هذه الدول كحقول تجربة قبل نقل هذه الأدوات إلى المسرح الغربي. وهذه القصة تلخّص بإحكام أطروحة الكتاب بأكملها: فالعالم غير الغربي ليس فقط مستهلكًا متأخرًا للتقنية، بل حقل تجربة تُختبر فيه المخاطر قبل ترشيدها للأسواق “الأهم”. غير أنه لا بد من الإشارة بصراحة إلى أن هذا الفصل، رغم غناه الفكري، يظل الأضعف بنيويًا في الكتاب، فبعد تشخيص بنيوي شامل ومقنع لنظام عالمي من اللامساواة، تبدو المقترحات، من دعوة الحكومات لتشريعات أفضل إلى تشجيع القراء على التشكيك في خطاب الشركات الكبرى ودعم منظمات المساءلة، متواضعة الحجم أمام ضخامة المشكلة الموصوفة. وتحاول الخاتمة تعويض هذا بطرح أفق “اللادستعمارية” كمشروع سياسي جذري يتجاوز إصلاح الديمقراطية الليبرالية، مستحضرة المفكر أشيل مبيمبي وفكرته عن أن أي نهضة عالمية جديدة قد تنبثق من أفريقيا، حيث وُلدت أشكال حياة جديدة من فضاءات اللاعيش، لكن هذا الطرح يظل أقرب إلى الدعوة الفلسفية منه إلى برنامج عمل ملموس.

وحين نقيّم هذا الكتاب في مجمله، فلا بد من الإقرار بأن أولى نقاط قوته الجوهرية هي منهجيته الموسوعية القادرة على ربط حقول معرفية متباعدة، من الاقتصاد السياسي إلى الجيولوجيا إلى دراسات ما بعد الاستعمار إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتاريخ أفريقيا الحديث، في سردية واحدة متماسكة دون أن تفقد الدقة التخصصية. كما أن اعتماد المؤلفة على تجربتها الميدانية المباشرة في جنوب أفريقيا يمنح الكتاب طابعًا شهاديًا نادرًا يتجاوز التنظير المجرد، وهو غني بالوثائق والإحصاءات والحالات الدراسية الملموسة، من الكونغو إلى أتاكاما إلى ترينيداد إلى جنوب أفريقيا، مما يجعل الحجج المجردة عن اللامساواة العالمية ملموسة وقابلة للتحقق بدلًا من أن تبقى شعارات عامة. وتستحق المؤلفة الثناء أيضًا على قدرتها على الكتابة بلغة واضحة وسلسة تجعل هذا الكتاب متاحًا لجمهور واسع يتجاوز الأكاديميين المتخصصين، دون أن تتنازل عن العمق التحليلي. غير أن هناك عدة نقاط تستحق تأملًا نقديًا في المقابل. فكما أشرت، يظل الجزء المقترَح للحلول أقل إقناعًا وتفصيلًا مقارنة بالتشخيص، مما يترك القارئ أحيانًا مع شعور بالعجز أمام حجم المشكلة الموصوفة. كذلك، ورغم أن استعارة “الإمبراطورية” فعّالة تحليليًا، فإنها قد تُخفي بعض الفروق الجوهرية بين الاستعمار الكلاسيكي القائم على الاحتلال العسكري المباشر وضم الأراضي، وبين أشكال الهيمنة الاقتصادية والتقنية المعاصرة الأكثر لامركزية وتعقيدًا، وقد يجادل بعض القراء بأن هذا التماثل، رغم قوته التفسيرية، يحتاج إلى تدقيق أكبر في نقاط الاختلاف لا التشابه فقط. ويلحظ أيضًا أن الكتاب يركّز بشكل كبير، وإن يكن مفهومًا نظرًا لخلفية المؤلفة، على أفريقيا جنوب الصحراء، بينما تحصل مناطق أخرى من “العالم الأغلبي”، كجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، على مساحة أقل نسبيًا، رغم أن الكتاب يستحضر أمثلة منها بين حين وآخر كأتاكاما في تشيلي وترينيداد وتوباغو.

هذا العمل، في النهاية، موجّه في المقام الأول لكل من يريد فهم الذكاء الاصطناعي بوصفه ظاهرة اقتصادية وسياسية واجتماعية، لا مجرد تقنية حاسوبية مجردة، وسيجد فيه صنّاع السياسات والباحثون في العلاقات الدولية ودراسات التنمية والمهتمون بأخلاقيات التقنية مادة غنية بالحجج والأدلة، كما أنه قراءة ضرورية لكل من يعمل في صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها ويرغب في فهم الأثر البنيوي غير المرئي لعمله على أجزاء أخرى من العالم. أما القارئ الباحث عن كتاب تقني عن كيفية عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فلن يجد ضالته هنا، فهذا كتاب في الاقتصاد السياسي والتاريخ ما بعد الاستعماري بقدر ما هو كتاب عن التقنية.

وفي الخلاصة، يقدّم كتاب “الإمبراطورية الجديدة للذكاء الاصطناعي” مساهمة أصيلة ومهمة في نقاش عالمي طالما هيمنت عليه أصوات ورؤى شمالية. فلا تكتفي رايتشل آدامز بانتقاد التحيزات الخوارزمية أو المخاطر الوجودية البعيدة التي يتصدرها النقاش الغربي السائد، بل تعيد توجيه البوصلة بأكملها نحو سؤال أكثر جذرية: من يملك هذه التقنية، ومن يستخرج منها الأرباح، ومن يدفع الثمن الحقيقي، البيئي والإنساني والاقتصادي، لبنائها وتشغيلها؟ وإجابتها المدعومة بالأدلة التاريخية والإحصائية الدقيقة تكشف نمطًا مقلقًا من الاستمرارية بين الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والنظام العالمي الجديد للذكاء الاصطناعي. صحيح أن الكتاب يترك القارئ مع أسئلة أكثر من إجابات نهائية حين يتعلق الأمر بالحلول العملية، لكن هذا لا ينتقص من قيمته الأساسية، فهو ينجح تمامًا في مهمته الأولى والأهم، وهي إثبات أن أي نقاش جاد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون كاملًا أو نزيهًا ما لم يضع في صميمه سؤال اللامساواة العالمية، لا كملحق هامشي، بل كمحور تحليلي مركزي. وبهذا المعنى، يُعد هذا الكتاب إضافة لا غنى عنها لأي مكتبة جادة تُعنى بمستقبل التقنية والعدالة العالمية معًا.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.