Skip to main content Scroll Top

 شركاء «غضب الرب»: كيف تواطأت الاستخبارات الأوروبية لتصفية قادة الثورة الفلسطينية

عملية غضب الرب: التاريخ السري للاستخبارات الأوروبية وحملة الاغتيالات الإسرائيلية
أفيفا غوتمان. منشورات جامعة كامبريدج، 357 صفحة.

في صباح السادس عشر من أكتوبر 1972، دخل مترجمٌ فلسطيني شاب يُدعى وائل زعيتر بهو مبنى شقته في روما، حاملاً الترجمة الإيطالية لكتاب “ألف ليلة وليلة”، الذي كان قد أنهى ترجمته للتو. فجأة أُطلقت عليه أحد عشر رصاصة. أحد عشر رصاصة بعدد الرياضيين الإسرائيليين الذين لقوا حتفهم في أولمبياد ميونخ قبل شهر واحد. كانت الرمزية مقصودة. لم يُوجَّه أي اتهام لأحد بالمسؤولية عن اغتيال وائل زعيتر، وعلى مدار عقود بُنيَ الافتراض على أن الموساد تصرّف منفرداً، معتمداً على موارده الداخلية في تتبّع الأهداف والقضاء عليها بدقة واستقلالية جعلت منه موضوع كتب لا تُحصى وأفلام وإنتاج سينمائي لستيفن سبيلبرغ.

ترى أفيفا غوتمان، المحاضرة في الاستراتيجية والاستخبارات بجامعة أبيريستويث، غير ذلك. في كتابها ” عملية غضب الرب: التاريخ السري للاستخبارات الأوروبية وحملة الاغتيالات الإسرائيلية”، تهدم غوتمان هذه الأسطورة من أساسها. فما تكشفه، استناداً إلى وصولها لأرشيف يمكن وصفه بأنه أحد أهم الاكتشافات في تاريخ الاستخبارات الحديث، وهو أن الموساد لم يكن وحيداً في حملته الشعواء على قادة وعناصر الثورة الفلسطينية. كانت أجهزة أوروبا الغربية الإنجليزية  MI5، والمديرية الفرنسية لمراقبة التراب الوطني، وأجهزة الاستخبارات الإيطالية، والمكتب الفيدرالي الألماني لحماية الدستور، والاستخبارات الداخلية الهولندية، والاستخبارات السويسرية، وسواها، تُزوِّد العملاء الإسرائيليين بتدفق مستمر من المعلومات الاستخباراتية عن الفلسطينيين المقيمين على أراضيها. وكانت تفعل ذلك عبر قناة سرية متعددة الأطراف أُطلق عليها اسم “كيلوواط”، أُنشئت عام 1971 في إطار تجمّع غامض من أجهزة الاستخبارات الأوروبية يُعرف بـ”نادي برن”. في أغلب الأحيان لم تكن الأجهزة الأوروبية تعلم أنها تُسهم في التخطيط لعمليات اغتيال. لكنها بعد أن بدأت الاغتيالات وتحوّل الشك إلى يقين شبه كامل بمسؤولية الموساد، واصلت التعاون. فقد  ظلّ “كيلوواط” يعمل بلا انقطاع. وظلّ القتلة يتلقّون تحديثات مستمرة عن التحقيقات الجارية في جرائمهم. تستند الباجثة أساساً على الأرشيفات الفيدرالية السويسرية، التي تحتوي على كل برقية أُرسلت عبر نظام كيلوواط منذ أكتوبر 1971.  أكثر من أربعين ألف رسالة بين ثمانية عشر جهازاً استخباراتياً في ثمانية عشر بلداً. فهي تمثل سجلٌّ كامل لعملية استخباراتية سرية متعددة الأطراف محفوظٌ في صور طبق الأصل. حيث تصف غوتمان لحظة اكتشافها لكلمة “كيلوواط” في مذكرة سويسرية، ثم إدخالها في محرك بحث الأرشيف لتتكشّف آلاف الوثائق أمامها.

مأسسة الموت

تأسّس نادي برن عام 1969 من قِبَل ثمانية أجهزة استخبارات أوروبية غربية بوصفه منتدىً لتبادل معلومات “مكافحة الإرهاب والتجسس”. كانت اجتماعاته الرسمية تُعقد مرتين في السنة، وتجمع رؤساء أجهزة الاستخبارات الداخلية لمقارنة المعطيات وتحديد الأولويات وتعزيز العلاقات الشخصية التي تُسهّل مثل هذه الترتيبات. ابتداءً من عام 1971، مع تصاعد نشاط التنظيمات الفلسطينية في أوروبا، أُنشئت قناة تلكس مشفّرة مخصّصة — هي كيلوواط — لتبادل التحذيرات والمعلومات الاستخباراتية عن المشتبه بهم في الوقت الفعلي. وأُدرجت إسرائيل في النظام منذ البداية، وهو ما ستترتب عليه تداعيات لم يستشرفها شركاؤها الأوروبيون تماماً.

تحرص غوتمان على إعادة بناء آليات عمل كيلوواط بصورة دقيقة. كانت الرسائل تتدفق يومياً من أنحاء الشبكة: سجلات فنادق لمواطنين عرب تحت المراقبة، وأرقام هاتفية اتُّصل بها من عناوين بعينها، ومحتويات دفاتر المُحتجَزين، وتقييمات لأشخاص فلسطينيين يُشتبه في صلاتهم بمخططي العمليات الفدائية، وجداول تنقّل مشتبه بهم عبر المطارات الأوروبية، وملفات أفراد يُعتقد تورّطهم في الإعداد لهجمات. كان كل جهاز يُسهم بحسب قدرته وموقعه. إذا وقعت حادثة في روما، أرسلت الاستخبارات الإيطالية أكبر عدد من البرقيات. وإذا كان MI5 يملك مصدراً في الأوساط الفلسطينية، تقاسم المعلومات مع البقية. كانت الشبكة، كما توضح غوتمان، أقرب إلى قاعدة بيانات يُحافظ عليها جماعياً منها إلى ترتيب تقليدي لتبادل المعلومات الاستخباراتية: نظام معرفة موزّع مكّن كل جهاز من مطابقة سجلاته مع سجلات شركائه، وبناء صورة عن العمليات الفلسطينية في أوروبا لا يمكن لأي جهاز منفرد أن يرسمها.

هذا النظام بالذات هو ما استخدمه الموساد لتحديد أهداف ما بات يُعرف بعملية “غضب الرب” — *مفتساع زعام هاإيل* — التي أجازتها رئيسة الوزراء غولدا مئير في الأسابيع التي أعقبت عملية ميونخ، وتنفيذها. صادق على العملية جسم سري يُعرف بـ”لجنة إكس” برئاسة مئير ووزير الدفاع موشيه ديان. كان مطلوباً من الموساد قبل الموافقة على كل مهمة اغتيال أن يقدّم إلى اللجنة أدلة على تورط الهدف، وهنا تحديداً كان للمعلومات الاستخباراتية المستقاة من كيلوواط أبلغ الأثر. ولكل فرد من الذين وردت أسماؤهم في قائمة الاغتيال، تُظهر وثائق نادي برن أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تحوز مستندات استخباراتية أوروبية تُدين الهدف بالاشتراك في عمليات منظمة أيلول الأسود: بصفة منسّق لوجستي أو ممول أو مسؤول اتصالات أو مخطّط. وكان دور المكتب الفيدرالي الألماني لحماية الدستور بالغ الأهمية على وجه الخصوص. إذ أشارت برقية أرسلها في أواخر عام 1972، وربطت فيها وائل زعيتر بالدعم اللوجستي لهجوم ميونخ، إلى أنها أثّرت على الأرجح في قرار جعله الضحية الأولى للعملية.

تسير المؤلفة بالكتاب زمنياً عبر كل عملية اغتيال. قُتل محمود الهمشري، الممثل الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، بقنبلة مخبأة في قاعدة هاتفه في ديسمبر 1972؛ وعلى الفور أرسل جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسي تفاصيل تحقيقه المستفيض إلى شبكة كيلوواط — بما فيها وصف الهوية المستعارة لضابط الموساد الذي تنكّر في زي صحفي إيطالي. اطّلع الموساد على هذا كله من خلال التقارير الفرنسية، وعرف بالضبط ما توصّل إليه المحققون وأين أخطأوا. ومع تراكم الحوادث عبر الفصول المتعاقبة، يكتسب النمط طابعاً من الكوميديا القاتمة. تتشارك الأجهزة معلومات عن قتلى، والقتلة أنفسهم أعضاء في الشبكة.

«لا تسأل ولا تُجِب»

تستخدم غوتمان عبارة “لا تسأل ولا تُجِب” لوصف الثقافة السائدة في مجموعة كيلوواط حين بدأت الأجهزة الأوروبية تشكّ في الدور الإسرائيلي. وهي عبارة موفّقة. بحلول ربيع عام 1973، بعد عملية الاغتيال الرابعة — باسل الكبيسي، الذي أُطلق عليه النار في باريس في أفريل — كانت صحيفة ”لوموند” تُلمح صراحةً إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية تقف وراء الموت المتوالي لفلسطينيين على الأراضي الأوروبية. وكانت الأوساط الدبلوماسية العربية تُشير إلى الموساد منذ عملية الاغتيال الثانية. ومع ذلك واصلت الاستخبارات الإيطالية والفرنسية تقاسم المعلومات. كان الحساب براغماتياً ومنطقياً تماماً من الناحية المؤسسية: فوائد العضوية في كيلوواط كانت ضخمة. وكان للأجهزة الأوروبية مصلحة حقيقية في رصد النشاط الفدائي الفلسطيني. والاستخبارات الإسرائيلية، بمصادرها في الأوساط الفلسطينية، كانت شريكاً لا يُعوَّض. وطرد الموساد من الشبكة — أو توجيه اعتراض رسمي كان سيُفضي إلى قطيعة — كان سيعني التضحية بشيء حقيقي في سبيل مبدأ لا أحد في عالم الاستخبارات كان متحمّساً للتمسك به.

لكن ما جرى بلدة ليلهامر النرويجية، شكّل الذروة الدرامية لقسم الكتاب الأخير. في جويلية 1973، اغتال فريق من الموساد في بلدة ليلهامر النرويجية الصغيرة أحمد بوشيخي، نادل مغربي كان ينتظر مولد طفله الأول، بعد أن ظنّه عناصر الجهاز أنه القيادي الأمني الفلسطيني علي حسن سلامة. وفي عملية فرار وتعمية تصفها غوتمان بحق بأنها من صنيع هواة، جرى اعتقال عدد من ضباط الموساد. كشفت المحاكمة عن عملية غضب الرب، وأثبتت المسؤولية الإسرائيلية عن سلسلة الاغتيالات في فرنسا وإيطاليا وقبرص واليونان، وأشعلت أزمة دبلوماسية حادة بين إسرائيل وشركائها الأوروبيين. ومع ذلك لم يتغير شيء. واصلت برقيات كيلوواط تدفّقها. وتبادلت الأجهزة المعلومات على الوتيرة اليومية ذاتها وبالمستوى نفسه من التفاصيل.

أصدرت الحكومات الأوروبية إدانات رسمية للعمليات الإسرائيلية خارج نطاق القانون على أراضي ذات سيادة، وفي الوقت ذاته سمحت لأجهزة استخباراتها بمواصلة التعاون الكامل مع الجهاز المسؤول عن تلك العمليات. لم يكن هذا التناقض وليد الصدفة. كان بنيوياً. فقد ظل التعاون الاستخباراتي يسري في مسار موازٍ للدبلوماسية الرسمية، يعمل وفق قواعد مغايرة — أو بالأحرى وفق قواعد لا تُقرّ بها السياسة الخارجية الرسمية. لم يكن نادي برن معروفاً لأغلب كبار المسؤولين الحكوميين، ناهيك عن شعوبهم. وفي حالات عدة، تلاحظ غوتمان، كان التعاون الاستخباراتي بين الأجهزة يتعارض فعلياً مع العلاقات الثنائية الرسمية: فقد حافظ MI5 مثلاً على روابط عملياتية وثيقة مع الموساد طوال حقبة كانت فيها الحكومة البريطانية شديدة الانتقاد للسياسة الإسرائيلية، ولم تكن لتُجيز مثل هذا التعاون لو طُلب منها الإذن.

وهذا هو أعمق ادعاء تحليلي في الكتاب، وتُعالجه غوتمان بعناية بالغة. ما يمثّله نادي برن، في قراءتها، ليس مجرد آلية مفيدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، بل شيء جوهري: “نظام أمني سري” نشأ جنباً إلى جنب مع النظام الدولي الرسمي ومستقلاً عنه. كانت أجهزة الاستخبارات، لأنها تستطيع إبقاء أعمالها طيّ الكتمان دون الحاجة إلى تبريرها علناً، قادرة على متابعة أهداف السياسة الخارجية التي لا تستطيع القنوات الرسمية استيعابها. فقد شاركت الدول المحايدة — سويسرا والسويد والنمسا — بفاعلية في عملية سرية منحازة لأهداف إسرائيل في مكافحة الإرهاب بينما كانت تُعلن حيادها في الصراع العربي الإسرائيلي. وواصلت دول مواقفها الرسمية الناقدة للسياسة الإسرائيلية في تزويد عمليات الاغتيال الإسرائيلية بمعلومات استخباراتية. لم تكن الهوّة بين ما تقوله الدول إنها تفعله وما كانت أجهزة استخباراتها تفعله فعلاً أمراً عرضياً في المنظومة، بل كانت في وجه من الوجوه صميم وجودها.

ثمة سؤال أخلاقي أعمق يحوم فوق الكتاب بأسره، وتطرحه غوتمان مباشرةً في خاتمتها. أسهمت الأجهزة الأوروبية في تحديد المشتبه بهم الفلسطينيين الذين وردت أسماؤهم في قائمة اغتيال الموساد. وأسهمت في تحديد أماكنهم. وزوّدت عمليات الاغتيال بمعلومات استخباراتية عملياتية. ثم وفّرت نتائج التحقيقات التي أجرتها بعد الاغتيالات فأعانت الموساد على الإفلات من الكشف وتحسين أساليبه استعداداً للاغتيال التالي. حتى لو قبلنا، كما تُشير أدلة غوتمان، بأن أغلب الضحايا كانوا فعلاً متورطين في عمليات إرهابية لا مدنيين قتلوا غيلةً، فإن هذه كانت عمليات إعدام خارج نطاق القانون نُفِّذت على أراضٍ أوروبية، بالمخالفة للقانون الأوروبي، وبمساعدة أوروبية. في وقت كانت الحكومات تزعم أنها تنتصر لسيادة القانون تُسوِّغ ضمنياً عمليات تصفية مُستهدَفة تنفّذها استخبارات أجنبية على أراضيها.

أسطورة الموساد

يُسهم الكتاب أيضاً، في معرض سرده، في رسم صورة أكثر تدقيقاً للموساد ذاته. تقوم سمعة هذه الأجهزة الإسرائيلية في جانب كبير منها على صورة العارف بكل شيء والقادر على كل شيء، وهي صورة يُقوّض سردُ غوتمان أساسها تقويضاً ملموساً. لم يكن الموساد آلة استخباراتية مكتفية بنفسها تعمل في عزلة أسطورية عن بقية العالم. كان يعتمد على شركاء أوروبيين للحصول على المعلومات الاستخباراتية الجوهرية التي أتاحت له اختيار الأهداف وتخطيط العمليات. بدون كيلوواط، ربما كان تنفيذ عملية غضب الرب بالحجم والوتيرة اللذين جرت بهما أمراً متعذراً. وكارثة ليلهامر، حين اغتال الموساد رجلاً بريئاً واعتُقل عدد من ضباطه، تذكير إضافي بأن الجهاز الأسطوري كان قادراً على الوقوع في أخطاء فادحة.

ثمة حدود لما يستطيع أرشيف نادي برن إخبارنا به، وغوتمان صريحة في الإقرار بها. حيث تغيب الأصوات الفلسطينية بشكل شبه تام من سردية شُيِّدت من خلال سجلات الأجهزة التي كانت تلاحقها. وسؤال الديناميكيات الداخلية لأيلول الأسود — درجة السيطرة التي مارستها فتح عليها، والعمليات التي أفضت إلى قرارات الهجمات الفردية — لا يزال محلّ خلاف، وتُقرّ غوتمان بأن مصادرها، كونها وثائق استخباراتية غربية، لا تستطيع الفصل في هذا النقاش. والبنية الزمنية للكتاب، المنظَّمة حول الاغتيالات والهجمات الإرهابية الفردية، ملائمة لموضوعه، غير أنها تُنتج أحياناً شعوراً بتراكم تفاصيل جزئية دقيقة يحجب لحظياً ما هو على المحك التحليلي الأكبر.

واللافت أن غوتمان تطرح صراحةً في مقدمتها صلة “عملية غضب الرب” بالراهن، مشيرةً إلى أوجه التشابه بين تداعيات عملية ميونخ والاستجابة لهجمات السابع من أكتوبر 2023، وإنشاء وحدة إسرائيلية مخصصة — تُعرف بـ”نيلي” — مهمّتها ملاحقة المسؤولين عن تلك الهجمات، والتساؤل عمّا إذا كانت أجهزة الاستخبارات الأجنبية ستجد نفسها مرة أخرى متورطة في عمليات إعدام إسرائيلية خارج نطاق القانون دون أن تدرك كامل تبعات تعاونها. يبدو أن العجلة لم تتوقف عن الدوران. ما فعلته غوتمان، بتدقيق أكاديمي متناهٍ وشجاعة حقيقية، هو تأسيس السجل التاريخي الذي لا بدّ لأي مساءلة صادقة مع هذه التساؤلات أن تنطلق منه.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.