Skip to main content Scroll Top

«المثقفون الاستخباراتيون»: العلوم الاجتماعية وتأسيس المخابرات الأمريكية

Peter C. Grace
The Intelligence Intellectuals: Social Scientists and the Making of the CIA
Georgetown University Press. 306 P

ثمة نوع خاص من الإخفاق المؤسسي يكون شاملاً وخفياً في آنٍ واحد، حتى تأتي اللحظة التي يتحول فيها إلى كارثة. في أواخر صيف عام 1949، علمت وكالة المخابرات المركزية – التي لم تكن قد مضى على تأسيسها سوى عامين – أن الاتحاد السوفيتي قد فجّر قنبلته الذرية الأولى. لم يتنبأ بذلك أيٌّ من محللي الوكالة. وبعد شهرين، سقطت الصين في يد الشيوعيين. ولم يتنبأ محللو الوكالة بذلك أيضاً. وفي جوان التالي، اجتاحت كوريا الشمالية الجنوبَ، فأخفق المحللون مرة أخرى في إصدار التحذير الذي كان صانعو القرار الأمريكيون يحتاجونه، أو على الأقل يظنون أنهم يحتاجونه. ثلاث إخفاقات استخباراتية في غضون عشرة أشهر، كل واحدة منها تُضاعف المهانة التي سبقتها، وكل واحدة تُحدّد السؤال الذي كان يُلاحق الوكالة منذ تأسيسها: ما وظيفة جهاز استخبارات مدني في زمن السلم بالضبط، وكيف يمكنه أداء مهمته أصلاً؟

الإجابة التي أفرزتها هذه الأزمة هي موضوع كتاب بيتر سي. غريس الشيّق والمدعوم بأبحاث رصينة. عن المسعى الذي قام به مجموعة صغيرة من الأكاديميين في العلوم الاجتماعية – مؤرخون وعلماء سياسة واقتصاديون – لنقل مناهج تخصصاتهم إلى النواة التحليلية لوكالة المخابرات المركزية، وبذلك ابتكار ما لم يكن موجوداً في أي مكان من العالم من قبل، وهي مهنة تحليل الاستخبارات الاستراتيجية المدني في زمن السلم. و”المثقفون الاستخباراتيون” الذين يُعنى بهم العنوان هم في جوهرهم ثلاثة شخصيات رئيسية: المؤرخ وليام لانغر، والمؤرخ شيرمان كينت، والاقتصادي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ماكس ميليكان. حاول هؤلاء معاً، في ظل السلطة الدافعة للمدير الجديد للاستخبارات المركزية الجنرال والتر بيدل سميث، إعادة بناء قدرات الوكالة على ما يُسميه الكتاب “الاستخبارات التقديرية”، أي التقييمات الاستشرافية والتركيبية والاحتمالية لنوايا الأعداء وقدراتهم، وهي التقييمات التي يحتاجها صانعو القرار فعلاً، والتي أخفقت الوكالة في توفيرها إخفاقاً بائناً.

أفرز التاريخ المؤسسي للاستخبارات الأمريكية أدبيات واسعة ومتنامية، يشغل كثيراً منها الاهتمام بالعمليات السرية وإرثها الكارثي في أغلب الأحيان. ما يميز إسهام غريس هو تركيزه الانضباطي، فهذا الكتاب يعنى بنظرية المعرفة بقدر ما يعنى بالتجسس، بمعنى ما يُشكّل المعرفة في ظل الشك، وبالأدوات الفكرية التي طوّرتها علوم الاجتماع الأكاديمية للتعامل مع هذه الإشكالية. ورهان غريس المركزي هو فهم كيف أصبحت وكالة المخابرات المركزية جيدة في ما أصبحت عليه يستلزم أخذ التكوين الفكري للأشخاص الذين بنوا ثقافتها التحليلية بجدية تامة.

العلوم الاجتماعية مطالع القرن

يفتتح الكتاب بتاريخ فكري مُكثَّف للعلوم الاجتماعية الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين، وهو فصل قد يُثني القراء القادمين أساساً للاطلاع على التاريخ الاستخباراتي، غير أنه يكسب مكانته بجدارة. يتتبع غريس احتراف التخصصات في العلوم الاجتماعية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وانخراطها في النموذج البحثي الجامعي ذي الطابع الألماني، وقلقها المتصاعد حول الصرامة المنهجية والشرعية العلمية. يبرز عالم الاجتماع تالكوت بارسونز بصورة لافتة، إلى جانب عالم السياسة هارولد لاسويل، كلاهما يمثل خيطاً مختلفاً من الطموح لتطبيق شيء يشبه المنهج العلمي على دراسة السلوك الإنساني. ما يجمع هؤلاء المفكرين، وفق غريس، هو التمسك بما أسماه بارسونز “العقلانية المعرفية”، أي التحليل المنهجي الواعي بذاته منهجياً والمرتكز تجريبياً للظواهر الاجتماعية.

ويظهر الفصل المتعلق بالمنهج التاريخي مُحكَم التناول بصفة خاصة. حيث يُعيد غريس بناء الأدوات الفكرية التي جلبها المؤرخون إلى وكالة المخابرات المركزية ببالغ الدقة والعناية. الإجراءات التي وصفها العالم اليسوعي غيلبرت غاراغان في كتابه “دليل المنهج التاريخي” عام 1946 – الاستكشاف الهيوريستي والنقد والتركيب – تتحول، مع التعديلات المناسبة، إلى مراحل التحليل الاستخباراتي التي سيُقنّنها كينت لاحقاً. عادات تقييم المصادر لدى المؤرخ المحترف، وحدسه في الموازنة بين الشهادات المتناقضة، والبحث عن التأكيد، والتمييز بين الدليل الأولي والاستنتاج: ليست هذه صفات هامشية صادف أنها مفيدة في وكالة المخابرات. بل كانت، وفق غريس، من الممارسات الفكرية التأسيسية التي أُقيم عليها صرح تحليل الاستخبارات الاستراتيجية بأكمله. وهذه رؤية أصيلة، تُضيء صلة لم يجعلها مؤرخو العلوم ومؤرخو الاستخبارات واضحةً دائماً.

غير أن علوم الاجتماع في منتصف القرن لم تكن كتلة واحدة صماء. كان علم الاجتماع النظري عند بارسونز، بتركيزه على الدوافع الذاتية وحدود الوضعانية المحضة، في علاقة معقدة مع التيارات السلوكية والكمية الأكثر تطرفاً في علم السياسة والاقتصاد. يتنقل غريس بين هذه التوترات بقدر من المهارة، وإن كانت ثمة لحظات يتشابك فيها الجدال في أشواك النظرية الاجتماعية التي أراد أصلاً تفكيكها. ويمتد الحديث عن “الفعل الوحدوي” عند بارسونز وفئاته – فاعل، غاية، موقف، توجه معياري – على مساحة واسعة قبل أن يُعاود الاتصال بالخيط الرئيسي في قصة الاستخبارات. لذلك يحتاج القراء المنشغلون أساساً بوكالة المخابرات المركزية إلى شيء من الصبر هنا.

الخلل الهيكلي

يتمحور القلب التاريخي للكتاب حول الفترة الممتدة بين 1946 و1953. تُعيد الفصول الأولى بناء الخلل الهيكلي لمكتب التقارير والتقديرات في وكالة المخابرات المركزية، وهي الوحدة المنوط بها إنتاج التقديرات الوطنية المنسقة التي تُبرر وجود الوكالة الجديدة، بسيطرة أرشيفية مبهرة. الصورة التي يرسمها غريس ليست مُشرِّفة. كان مكتب التقارير يفتقر إلى القيادة، ومشتتاً فكرياً، وعاجزاً تماماً عن فرض وجوده في مواجهة الإقطاعيات المتناحرة للاستخبارات العسكرية. وكانت التقديرات التي يُنتجها، متذبذبة في معاييرها التحليلية، ومبنية في أغلب الأحيان على افتراضات غير مفحوصة، ومصاغة في قوالب مستعارة من التخطيط العملياتي العسكري لا تصلح البتة للإجابة عن الأسئلة الاستراتيجية الأشمل التي تحتاج القيادة فعلاً إلى معالجتها. وثمة موضوعة متكررة هي التوتر بين الطابع اللحظي “اللقطة الثابتة” لقوالب الاستخبارات العسكرية – المصممة لمواقف عملياتية محددة ومحدودة – وبين الطابع “الفيلمي المتحرك” الذي يستلزمه التقدير الاستراتيجي الحقيقي، القادر على رصد الاتجاهات عبر الزمن وإسقاط مستقبلات محتملة في ظل شك جوهري لا يُزال.

لم يكن الجنرال والتر بيدل سميث، الذي تولى منصب مدير الاستخبارات المركزية في أكتوبر 1950، يتسامح مع الإخفاق، مؤسسياً كان أم فكرياً. صورة “بيتل” سميث التي يرسمها غريس مُتشعّبة الأبعاد بشكل مُحكَمم، فهو دير عسكري متمرس، عسير الطباع، يميل إلى الانفجارات المزاجية، لكنه يمتلك فهماً حقيقياً لما تحتاج الوكالة أن تصير إليه. كان سميث من استقطب لانغر من هارفارد، ومن دعم إنشاء مكتب التقديرات الوطنية بقيادة كينت، ومن وفّر السلطة المؤسسية لدفع الإصلاحات التي أوصى بها الأكاديميون المحترفون. يرى غريس أنه لولا دعم سميث المتسلط، لتبددت طاقة المثقفين الاستخباراتيين الفكرية في حرب البيروقراطية. ولولا هؤلاء المثقفون، لظلت الدوافع التنظيمية لسميث هياكل فارغة من المضمون. لذلك تظهر العلاقة بين الجنرال-المدير والأكاديميين هي من أكثر موضوعات الكتاب إضاءة.

كما يعيد الكاتب بناء إسهام وليام لانغر بوصفه أول رئيس لمكتب التقديرات الوطنية بتفصيل وافٍ، والحديث عن فلسفته الإدارية بالغ التميز. أدرك لانغر، على خلاف من سبقوه، أن الاستخبارات الاستراتيجية مهنة تستلزم تكوين قوى عاملة متخصصة، إذ لا يمكنك ببساطة نقل ضباط الاستخبارات العسكرية أو الدبلوماسيين العامين إلى وظائف تحليلية وتوقع منهم إنتاج التقييمات العميقة والمنهجية والصارمة التي يحتاجها صانعو القرار. استقطب لانغر حملة الدكتوراه، وأرسى بروتوكولات التدريب، وسعى لإيجاد ما يُسميه غريس – مستعيراً من نظرية المنظمات – شروط الشرعية المؤسسية، مثل قوى عاملة متخصصة، ومنتج فريد، وخبرة لا يستطيع المنافسون توفيرها، وحاجة مُثبَتة لدى أصحاب المصلحة في الأمن القومي.

شيرمان كينت

الفصول الأكثر أصالة في الكتاب، والأكثر قيمة في كثير من وجوهه، تُعنى بشيرمان كينت والبنية الفكرية للتقدير الوطني للاستخبارات. كان كينت بلا شك المفكر الأكثر هيبة بين المثقفين الاستخباراتيين، فقد خدم في مكتب الخدمات الاستراتيجية إبان الحرب، وحاول في كتابه “الاستخبارات الاستراتيجية لأجل السياسة العالمية الأمريكية” الصادر عام 1949 أن يفعل ما لم يفعله أحد قبله، أي أن يُفكّر تفكيراً منهجياً فيما يمكن أن تبدو عليه علوم الاجتماع الاستخباراتية الاستراتيجية، وأن يشتق من هذا التفكير جملة من التوصيات المنهجية للمحلل الممارس.

يشرح غريس أفكار كينت بوضوحٍ كبير. فقد ميّز كينت بين ثلاثة أنواع من الاستخبارات الاستراتيجية: الاستخبارات الوصفية الأساسية (المعرفة الموسوعية بالموضوع)، والاستخبارات الإخبارية الراهنة (ما يجري الآن)، والاستخبارات التأملية التقييمية (ما الذي يُرجَّح حدوثه في المستقبل ولماذا). والفئة الثالثة هي الأهم على الإطلاق والأعسر. حيث تستلزم من المحلل أن يتجاوز تراكم الحقائق نحو صياغة الفرضيات، وتقييم الأدلة، والنظر في التفسيرات البديلة، واشتقاق تقييمات احتمالية في ظل شك غير قابل للإزالة. وإصرار كينت على أن هذه العملية تُشبه في جوهرها البحث الرصين في علوم الاجتماع أكثر مما تشبه التغطية الصحفية أو التخطيط العملياتي العسكري، وهو الأساس الفكري الذي بُنيت عليه ثقافة وكالة المخابرات التحليلية المُجدَّدة برمتها.

كما يكشف الباحث عن الخلاف الذي جرى بين كينت وزميله ويلمور كيندال. فقد رأى كيندال أن تركيز كينت على التنبؤ بوصفه الوظيفة الأولى للتحليل الاستخباراتي انعكاس لتصور عتيق لزمن بيرل هاربر عن ماهية الاستخبارات الاستراتيجية. ذلك أن مهمة المحلل الاستخباراتي، كما يرى كيندال، ليست التنبؤ بأحداث بعينها، بل استكشاف الممكنات، ورسم خارطة الاحتمالات، والتفكير نظرياً في طيف الخيارات المتاحة ودرجات احتمالها النسبية. هذا في حقيقته موقف إبستيمولوجي أكثر رهافة من موقف كينت، وغريس مُنصف في عرض الحجة على كلا الطرفين. لكن موقف كينت تميّز بقابليته المؤسسية، فقد كان يمكن تشغيله وتدريسه وتضمينه في إجراءات بيروقراطية بصورة عجزت عنها النزعة الفلسفية لكيندال. وانتصار كينت على كيندال كان في جانب منه انتصاراً للعملي على النظري.

رحلة في الأرشيف

تبدو الفصول المتعلقة بالتقديرات الوطنية للاستخبارات ذاتها – التي أصدرها مكتب التقديرات الوطنية المُصلَح بين 1950 و1953 – أكثر أقسام الكتاب كثافة تقنية. فقد أدّى غريس العمل الأرشيفي بصرامة، مستنداً إلى قاعدة بيانات CREST والسجلات المُسرَّبة للوكالة ومصادر أولية متعددة، لإعادة بناء مضمون التقديرات الفردية وعملية صناعتها. وتظهر معالجته لـ “تقديرات المسارات السوفيتية المحتملة” حتى منتصف 1952 نموذجية، حيث يتتبع الوثيقة من إطار مرجعيتها عبر مسودات متعددة وصولاً إلى صيغتها النهائية، رصداً للقرارات الفكرية المتخذة في كل مرحلة وصلتها بالمبادئ المنهجية التي صاغها لانغر وكينت.

فالحركة المحورية في المسارات، كما يُحلّلها غريس، كانت التحول من السؤال عمّا يستطيع السوفيت فعله إلى السؤال عمّا يُرجَّح أن يفعلوه ولماذا. ظلت التقديرات السابقة رهينة إطار التخطيط العسكري الذي يحصي القدرات دون الاهتمام الكافي بالنوايا أو المنطق الاستراتيجي أو الديناميكيات الظرفية لصنع القرار السوفيتي في ملابسات سياسية بعينها. في المقابل سعت التقديرات الجديدة، التي صاغها علماء الاجتماع والتاريخ، إلى كسر هذا الإطار بإدخال ما سماه أحد كبار المحللين، لودويل مونتاغي، “المنظور التاريخي”، وهو الإحساس بأن السلوك السوفيتي لا يمكن فهمه إلا في مواجهة خلفية الظروف السياسية والتاريخية الخاصة، لا باشتقاقه آلياً من تقييم ساكن للقدرات. وكانت النتيجة صورة أكثر دقة وصحة في نهاية المطاف للاستراتيجية السوفيتية ملخصها، لا اتحاداً سوفيتياً يُخطط لحرب عدوانية في المدى القريب، بل اتحاد سوفيتي يلعب لعبة طويلة من الحرب السياسية والتنافس بالوكالة والتوسع التدريجي، وغير مستعد للمجازفة بحرب شاملة مع الولايات المتحدة التي لم يمتلك بعد القدرات الكافية للانتصار فيها.

كما تلقى إجراءات المعارضة التي رسّختها عملية التقدير الوطني معالجة مدروسة في الكتاب. يُشير غريس إلى أن الصراعات الحادة بين الوكالات التي ميّزت سنوات مكتب التقارير – حين كانت وزارة الخارجية وأجهزة استخبارات الجيش والبحرية والقوات الجوية تُمزق منتجات وكالة المخابرات لضعفها التحليلي – تراجعت تراجعاً ملحوظاً بعد عام 1950. وإن كان هذا يعكس تحسناً حقيقياً في جودة التحليل، أم ثقة مؤسسية أكبر، أم مجرد سلطة الجنرال سميث في كبت المعارضة – ذلك سؤال يُثيره غريس دون أن يُجيب عنه إجابة قاطعة.

يثير الفصل المتعلق بماكس ميليكان ومشكلة الاستخبارات الاقتصادية السوفيتية قضايا تتجاوز كثيراً الموضوع التاريخي المباشر. فقد واجه ميليكان، الاقتصادي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المعار إلى وكالة المخابرات لمدة عام، ما كان في كثير من وجوهه المشكلة الأشد تقنية في المحفظة الاستخباراتية بأسرها، وهي كيف تُقدّر الحجم الفعلي والهيكل ومعدل نمو الاقتصاد السوفيتي، وهو نظام مغلق إحصاءاته الرسمية غير معلنة، ومناهج محاسبته تختلف جذرياً عن اقتصادات السوق الغربية، ونفقاته الدفاعية مصممة تحديداً لإخفائها. كان المنهج “البناء الجزئي” الذي طوّره فريق ميليكان، من خلال إعادة بناء النشاط الاقتصادي السوفيتي من مؤشرات فيزيائية بدلاً من بيانات المحاسبة القيمية، كان ابتكاراً منهجياً حقيقياً بتداعيات مستدامة. وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كما يُشير غريس، ترسّخ هذا المنهج في ممارسات وكالة المخابرات إلى حد أن كبار المحللين كانوا يُقرّون بقيوده دون أن يشعروا بضرورة التخلي عنه.

نكتشف من خلال الكتاب تاريخاً طويلاً لتحليل وكالة المخابرات للاقتصاد السوفيتي. كانت تقديرات الوكالة للإنفاق الدفاعي السوفيتي، وبصفة خاصة نزوعها في السبعينيات إلى المبالغة المستمرة في تقدير الإنفاق العسكري السوفيتي كنسبة من الناتج القومي الإجمالي، موضع جدل واسع في مراجعات لاحقة. يُقر غريس بهذا النقد — ويُشير إلى مؤتمر مؤسسة راند عام 1984 الذي خُضع فيه منهج البناء الجزئي لنقد مُحرج، لكنه لا يتابع خط الحجة الذي قد يربط الخيارات المنهجية التأسيسية لميليكان بالأخطاء التحليلية بعد ثلاثين عاماً. ربما كان هذا قراراً معقولاً لدراسة تُعنى أساساً بالفترة 1946-1953، لكنه يُبقي سؤالاً معلقاً أثارته الحجة الأشمل دون أن تُجيب عنه: هل أصبح الإرث المنهجي للمثقفين الاستخباراتيين على المدى البعيد قيداً بقدر ما كان مورداً؟

في المقابل ثمة مفارقة هيكلية في هذا الكتاب يُشير إليها غريس دون أن يُطيل التأمل فيها. وهي أن علماء الاجتماع والتاريخ والاقتصاد، الذين قدموا إلى وكالة المخابرات المركزية في مطلع الخمسينيات يؤمنون، بدرجات متفاوتة من الوضوح، بإمكانية التحليل المحايد قيمياً والصارم علمياً للمسائل الاستراتيجية. كان كينت وضعانياً في التزاماته التحليلية، حتى لو أعطاه تكوينه التاريخي فهماً أكثر رهافة للتعقيد التأويلي مما قد يوحي به هذا الوصف. وقد صُمّمت الإجراءات التي أرساها تحديداً للتمييز بين التحليل والسياسة، وعزل المنتج الاستخباراتي عن الضغوط السياسية لمستهلكيه، وإضفاء سلطة الخبرة المنفصلة على تقديرات الوكالة. ومع ذلك يُظهر الكتاب ذاته، مراراً وتكراراً، أن هذه العزلة لم تكن تامة قط. حيث تشكّلت التقديرات الأولى للنوايا السوفيتية إلى حد ما بفعل قلق الحرب الكورية السياسي. وكثيراً ما وضع صانعوا القرار ذوو الآراء المسبقة لا المحللون إطارات المرجعية التي تحدد ما ستُجيب عنه التقديرات. وظل الخط الفاصل بين ما يُقدَّر وما يعتقده المُقدِّرون مسبقاً – أو ما يريد مستهلكوهم سماعه – دائماً أكثر نفاذية مما تقتضيه منهجية كينت الصارمة.

ورغم أن السلسلة التي يصدر ضمنها الكتاب “دراسات جورجتاون في تاريخ الاستخبارات” موجهة بوضوح نحو جمهور أكاديمي، وكثافة الاستشهادات المناسبة لذلك تبلغ حد الفصول التي تحتوي حواشيها على مقال ثانوي بحد ذاتها، لكن القراء القادمين من خارج مجتمع دراسات الاستخبارات قد يجدون في الكتاب ما يمتع ويوسع أفق التفكير لا في عالم الاستخبارات السري فحسب، بل في عالم العلوم الاجتماعية المفتوح والخطير إذا ما وظفت مناهجه في سياقات غير علمية.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.