Skip to main content Scroll Top

تسجيلات كيسنجر: «تاريخنا» داخل محادثاته المسجلة سراً

«تسجيلات كيسنجر: داخل محادثاته الهاتفية المسجلة سراً»
توم ويلز، مطبعة جامعة أكسفورد ، 2026. 616 صفحة

ثمة نوع خاص من الاكتشافات الأرشيفية يبدو أقرب إلى تأكيد ما يعرفه الجميع من كونه كشف لجديد. ذلك النوع من البراهين الذي يتعلّم فيه المرء، بتفصيل صريح ومؤلم أحياناً، ما كان يبدو دائماً راجحاً في شأن الرجال المتنفّذين الذين شكّلوا وجه العالم بعيداً عن الأضواء. كتاب توم ويلز “تسجيلات كيسنجر”، الصادر حديثاً عن جامعة أكسفورد، والمستند إلى آلاف المحادثات الهاتفية المفرَّغة التي دأب هنري كيسنجر على تسجيلها سراً إبان توليه منصب مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية في الفترة الممتدة بين عامَي 1969 و1974، ينتمي بامتياز إلى هذا الجنس. فهو في جوهره ليس كتاب مفاجآت، بل هو شيء أشدّ إزعاجاً: إنه كتاب تأكيدات قطعية لما كان يشاع دائماً، ولا يصدق هذا التوصيف في مكان أكثر مما يصدق في تناوله للشرق الأوسط.

ويلز، المؤرّخ الذي أمضى سنوات طويلاً ينقّب في السجلات المُفرَج عنها لحقبة نيكسون، رتّب عمله ترتيباً زمنياً، إذ يُخصَّص كل فصل للأشهر التي تغطيها محادثات كيسنجر الهاتفية. والكتاب الناتج ضخم وشاقّ أحياناً. ثمة فصول عن فيتنام وكمبوديا وتشيلي وباكستان وقبرص ووترغيت وبرنامج التنصت غير المشروع الذي نفّذه مكتب التحقيقات الفيدرالي – وكيسنجر، ذلك الهادر في تسويق نفسه والمهووس بتدوين الملاحظات، كان طرفاً في كل ذلك في آنٍ واحد. غير أن الخيوط المتعلقة بالعالم العربي وإسرائيل تسري على امتداد الكتاب كله، تطفو على السطح بلا قصد أحياناً، وأحياناً تكون الحدث المحوري، وأحياناً تختبئ خلف عمليات القصف والمناورات البيروقراطية، لتتراكم في نهاية المطاف في صورة من أكثر الصور كشفاً لطبيعة القوة الأمريكية وآليات ممارستها في المنطقة خلال حقبة لم تنحلّ تداعياتها بالكامل حتى اليوم.

إن حقيقة التسجيلات في حدّ ذاتها نوع من الحجة. كان كيسنجر يُجلس سكرتيراته ومعاونيه على خطوط الاستماع كي يدوّنوا ملاحظاتهم على مكالماته، ثم أمر لاحقاً بتركيب أجهزة تسجيل لإنتاج محاضر شبه حرفية. وقد احتفظ بهذه المحاضر في ملفاته الشخصية – لا في الملفات الرسمية – واستعان بها استعانةً واسعة حين كتب مذكراته في ثلاثة مجلدات. ومعاونوه، كما يُخبرنا ويلز، كانوا يمزحون، ولعلّهم كانوا جادّين في نصف مزحتهم، بأن كيسنجر كان بحاجة إلى تتبّع أيّ كذبة قالها. هذه النكتة، المذكورة في مستهل الكتاب، هي المفتاح الجوهري له. فما تكشفه المحاضر ليس مجرد إدارة سياسي للحقيقة – فالسياسيون يديرون الحقيقة، وهذا جزء من الصنعة – بل شيء أكثر منهجية: رجل كان يتخذ مواقف متناقضة مع محاوريه المختلفين، يتملّق ويخدع في آنٍ معاً، يُخبر الصحفيين أنه لا يعرف شيئاً عن برنامج التنصت الذي أسهم هو نفسه في إطلاقه، ثم يُخبر الزملاء بأن إليوت ريتشاردسون “طعنك في الظهر” في غضون ساعات من إطرائه العلني على استقالة ريتشاردسون بوصفها ضماناً للفضيلة في الإدارة. كان النفاق مهنة كيسنجر التي برع فيه.

مبادرة روجرز وأيلول الأسود

يظهر الشرق الأوسط أولاً بوصفه شاغلاً رئيسياً في الفصول المبكرة، يطلّ بصورة غير مباشرة نسبياً من خلال محادثات تتناول الصراع العربي-الإسرائيلي الذي أدار كيسنجر ملفاته في ظل توتر دائم مع وزارة الخارجية بقيادة ويليام روجرز. ومن أبرز الموضوعات المتكررة في الكتاب إصرار كيسنجر على إقصاء روجرز وإدارة السياسة الشرق أوسطية عبر قنوات خلفية خاضعة لسيطرته المباشرة. وكان “إبطاء وزارة الخارجية وتلطيف موقفها من الشرق الأوسط”، على حد عبارة ويلز في أحد عناوين الفصول، مشروعاً متواصلاً لا مناورة عابرة. حين أنجز روجرز هدنةً هشّة في صيف وخريف عام 1970، اندلعت “خلافات حول من يستحق الفضل” . لم يكن كيسنجر غاضباً لمجرد أن روجرز أنجز شيئاً، بل لأن روجرز قد يُرى وهو ينجزه. فالسياسة كانت في تصوّر كيسنجر ملكه. والمنطقة كانت ملكه. وتُظهر المحادثات أنه كان يتعامل مع إسرائيل وجيرانها العرب باعتبارهم قطعاً في لعبة أشمل للقوى العظمى. أصول وخصوم تجري إدارتهم في سياق التنافس الجاري مع موسكو.

ويتجلّى ذلك أجلى تجلٍّ في أزمة الأردن في سبتمبر 1970، التي يتوسع فيها ويلز وتشكّل أحد أكثر التسلسلات إضاءةً في الكتاب. كان الملك حسين الحليف للغرب، مهدَّداً من قِبَل الفدائيين الفلسطينيين، وكانت الدبابات السورية تتحرك نحو الحدود الأردنية. وكان كيسنجر ونيكسون مستغرقَين في هاجس أن سقوط حسين سيدفع ناصر والسوفييت في “اتجاه راديكالي.” أما الفلسطينيون أنفسهم، فلا يكادون يظهرون في هذه المحادثات إلا بوصفهم مشكلة، قوة زعزعة للاستقرار، وأداة للمكيدة السوفيتية، وشيء يجب إخماده. ونيكسون، في إحدى المكالمات الهاتفية التي يوردها ويلز، يُعلن أنه إن تدخّلت العراق أو سوريا دعماً للفلسطينيين في الأردن، “يجب أن نستخدم الطيران الأمريكي ونمزّقهم تمزيقاً.” وكان ردّ كيسنجر خير دليل على طبعه: “هذا ما أشعر به أيضاً يا سيادة الرئيس”.

رغم أن إدارة نيكسون كانت محسوبةً على الصقور، ولم يكن ثمة أوهام لدى أي مراقب في كونها منحازة لإسرائيل، إلا أن الطرف الفلسطيني يبدو غائباً تماماً، فلم يرصد الباحث في محادثة تلو الأخرى، أي فضول حقيقي إزاء الفلسطينيين بوصفهم شعباً يحمل مظالم سياسية ومطالبة مشروعة. إنهم فدائيون. إنهم مسلحون. إنهم في أحسن الأحوال مشكلة لوجستية بالنسبة للملكية الهاشمية التي رأت واشنطن في صونها ضرورة لا تقبل الجدل. وتُظهر المحادثات التي اختارها ويلز كيسنجر وهو يُنسّق عن كثب مع إسحاق رابين، السفير الإسرائيلي في واشنطن آنذاك، بشأن توليفة الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية الكفيلة بسحق الانتفاضة الفلسطينية وحماية عرش الملك حسين. وقد رأى رابين أن الغارات الجوية وحدها لن تكفي لإنقاذ الأردن وأن تدخلاً برياً إسرائيلياً بات ضرورياً. ووافق نيكسون في نهاية المطاف على دعم العمل البري الإسرائيلي بشروط معينة. وقد انسحب السوريون لاحقاً دون أن يُختبر ذلك السيناريو.

تستحق هذه الحادثة التمعّن فيها، إذ تُرسي منذ البداية وبوضوح غير مألوف الإطار الأساسي الذي تعامل كيسنجر من خلاله مع الشرق الأوسط طوال فترة ولايته. كان العالم العربي في نظره منقسماً بين مفيد ومهدِّد: المفيد هي الدول “المعتدلة” — الأردن، والمملكة العربية السعودية، ومصر لاحقاً بعد وفاة ناصر — والمهدِّد هي تلك المتوافقة مع الدعم السوفيتي أو المعتمدة عليه. وكان الفلسطينيون يقعون خارج هذا التصنيف كلياً تقريباً، إلا بوصفهم ناقلاً محتملاً للنفوذ السوفيتي ومصدراً للتطرف الإقليمي. ولم يكن تهجير شعب بأسره مقولةً ذات صلة بهذا الإطار التحليلي، لا في الحساب الأخلاقي ولا في الحساب الاستراتيجي.

حرب أكتوبر

أكثر ما يشتبك به الكتاب مع المنطقة يتعلق بحرب أكتوبر 1973 وتداعياتها، وتحديداً في الفصول من 27 إلى 30، وهي تضمّ بعض أكثر المواد إثارة التي جمعها ويلز. في صباح السادس من أكتوبر، يوم الغفران، مع شن القوات المصرية والسورية لهجومها المنسّق، كان كيسنجر قد شرع في المكالمات الهاتفية — مع دوبرينين، ومع وزير الخارجية المصري محمد الزيات، ومع القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية مردخاي شاليف — داعياً إلى ضبط النفس ومحاولاً تحديد من أطلق النار أولاً. إن هذه المقتطفات استثنائية في إيقاعها المتسارع. في غضون ساعات قليلة، كان كيسنجر يحاول في آنٍ واحد تقييد إسرائيل من شنّ ضربة استباقية، وتحذير مصر من عزم إسرائيل على الهجوم المضاد، والإيحاء لموسكو بأن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يزال راسخاً، وتقديم الولايات المتحدة وسيطاً محايداً. تربيع للدائرة يستحيل إنجازه، ويعكس في آنٍ معاً رؤيته الاستراتيجية الحقيقية وحاجته لأن يكون الرجل الذي لا غنى عنه في كل مكان.

ويحرص ويلز على إظهار ما أراده كيسنجر فعلاً من الحرب. فهو لم يكن، كما تُوضّح المحاضر، يسعى إلى حسم عسكري من كلال الطرفين. بل كان يسعى إلى وضع دبلوماسي يُمكّن الولايات المتحدة من أن تضع نفسها وسيطة في نظام إقليمي جديد – نظام يُقلّص النفوذ السوفيتي في الوقت ذاته، عبر إثبات الدول العربية أن واشنطن، لا موسكو، هي من تملك مفاتيح أي تسوية تفاوضية ذات معنى. وهذا اقتضى ألا تنتصر إسرائيل انتصاراً ساحقاً. فحتى نيكسون نفسه، الذي يورد ويلز قوله عن إسرائيل المتشامخة بنصرها أنها ستكون “أكثر استحالةً في التعامل معها مما كانت عليه من قبل”، كان يقود أن يكون أي حسمٍ إلى خروج أمريكا من اللعبة.

يظهر السفير الإسرائيلي سيمحا دينيتس مراراً في فصول حرب أكتوبر، وتبرز من هذه الصفحات صورة متشفّع يُدلَّل ويُلاعَب في الوقت ذاته. حين نفدت ذخائر إسرائيل في مطلع المعارك، وجد كيسنجر نفسه في مواجهة تبادلات مثيرة للغضب مع وزير الدفاع جيمس شليسنجر، الذي اتهمه بالتعمد في تأخير إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل. يشكو كيسنجر لألكسندر هيغ من أن “أولئك الأنذال في وزارة الدفاع يُماطلون منذ أربعة أيام ولم تتحرك ولو طائرة واحدة”، مطالباً هيغ بـ”إدخال الرهبة في قلب” شليسنجر ونائبه وليام كليمنتس. كان كيسنجر يسعى إلى الحيلولة دون انهيار إسرائيل عسكرياً، وقد نجح في ذلك. لكن حين انعكس المدّ وأحكمت إسرائيل طوقها على الجيش المصري الثالث على الضفة الشرقية لقناة السويس، غضب كيسنجر. فقد أنّب السفير دينيتس مباشرةً بالقول: لا يمكنكم جعل بريجنيف – الذي تفاوض على وقف إطلاق النار ثم رأى إسرائيل تنتهكه فوراً – يبدو “كالأبله.” لم يكن هذا رأفةً بمصر، بقدر ما هو خشية من تدخل سوفياتي.

رجل بلا قلب

تستحق حادثة إسقاط الطائرة الليبية، التي تفتتح الفصل الثالث والعشرين، اهتماماً أكثر مما أولاها ويلز. في الحادي والعشرين من فيفري 1973، أسقطت مقاتلات إسرائيلية طائرة شركة الطيران العربي الليبي رحلة 114، مما أودى بحياة 108 أشخاص بينهم خمسة من طاقم الطائرة، بعد انحرافها عن مسارها فوق سيناء الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. والمحادثات التي يوردها ويلز في أعقاب هذه الحادثة تُظهر كيسنجر منصبّاً على إدارة العلاقات العامة للحادثة لا على مواجهة أبعادها الأخلاقية. كانت الجريمة الإسرائيلية بكل معيار معقول جريمةً حرب – تدمير متعمّد لطائرة مدنية محدّدة الهوية بركابها على متنها. ومحادثات كيسنجر في مرحلة ما بعد الحادثة تنشغل أساساً بكيفية تصوير القضية في الصحافة وأمام الحكومات الحليفة، وبما إذا كان ينبغي التعبير عن استياء لإسرائيل وكيف، وبعدم السماح للحادثة بأن تُعطّل الهندسة الدبلوماسية الأشمل التي كان يبنيها. ولا تُسجَّل في المواد التي اختارها ويلز لحظة واحدة يتأمّل فيها كيسنجر 108 ضحية. ويتكرر هذا النمط حين اغتيل الدبلوماسيون الأمريكيون في الخرطوم في مارس 1973، وهم دبلوماسيان أمريكيان ودبلوماسي بلجيكي على يد عناصر من مجموعة أيلول الأسود احتجزوا رهائن في حفل استقبال بالسفارة السعودية. ومحادثات كيسنجر حول هذه الحادثة، التي يتناولها ويلز في الفصل ذاته، منصبّة هي الأخرى على الإدارة والمظهر لا على الجوهر. كانت الاغتيالات صادمة للرأي العام الأمريكي والغربي، ولكنها أيضاً، في عالم كيسنجر العملياتي، مجرد قطع تُحرَّك على رقعة الشطرنج. فهذا الرجل يبدو وكأنه لا يملك قلباً.

لا يقرأ أحد ”تسجيلات كيسنجر” متوقعاً أن يجد رجلاً يتأثر بعمق على النحو الذي يتأثر به الأقل نفوذاً. لكن ما تكشفه فصول الشرق الأوسط هو نوع خاص من النزعة التوظيفية، من خلال إخضاع شامل لشعوب المنطقة الفعلية، بحياتهم وموتهم وتطلعاتهم، لرقعة شطرنج جيوسياسية ظلّوا فيها أبداً قطعاً لا لاعبين. وهذه ليست ملاحظة جديدة. لقد رددها منتقدو كيسنجر من كريستوفر هيتشنز وما تلاه مراراً. ما يضيفه كتاب ويلز هو توثيق بالغ الدقة والتفصيل، محكم الصياغة وذو حضور صوتي، يتجاوز حد الاتهام ليصبح سجلاً.

صديقتي غولدا

تعدّ معالجة الكتاب لعلاقة كيسنجر بغولدا مئير إحدى المساهمات الأبرز فيه. تظهر مئير أولاً في صيف 1969، حين تتصل بكيسنجر لتشكو من تسريب صادر عن وزارة الخارجية يتعلق بالضغط الأمريكي على إسرائيل بشأن الأراضي المحتلة. تعامل كيسنجر معها منذ البداية بمزيج من الدفء الحقيقي والإطراء الاستراتيجي والمناورة. يُبدي استياءه من التسريب، ويُخبرها أن طائرات الفانتوم ستُسلَّم. وهو في هذه المحادثات المبكرة يبدو حليفها في مواجهة روجرز ووزارة الخارجية.

بحلول حرب أكتوبر 1973، كانت هذه العلاقة قد تطوّرت أكثر. وقرار مئير بعدم شنّ ضربة استباقية – المدفوع جزئياً بخشيتها، التي وافق كيسنجر عليها، من أن تفقد إسرائيل الدعم الأمريكي إن هي بادرت بالضرب – أوقع إسرائيل في خطر بالغ في الأيام الأولى. وكان كيسنجر يعلم ذلك، والمحادثات تُظهره وهو يتصارع مع يأس إسرائيل وتردد أمريكا بمهارة، وإن ليس دائماً باتساق. وقد خصص ويلز فصلاً لزيارة مئير واشنطن في نوفمبر 1973، في الأيام التي أعقبت وقف إطلاق النار، لافت لما يكشفه عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة. كانت إسرائيل بحاجة إلى الأسلحة الأمريكية، والمظلة الدبلوماسية الأمريكية، وضبط أمريكي لإعادة التسليح السوفيتي لمصر. أما أمريكا، أو على الأقل كيسنجر، فكانت بحاجة إلى مرونة إسرائيلية إزاء شروط التسوية التي ستعقب الحرب. وتُظهر المحادثات كيسنجر يضغط على مئير للسماح بإعادة إمداد الجيش المصري الثالث المحاصَر، وقبول وقف إطلاق نار كانوا ينتهكونه، وفهم أن الصورة الاستراتيجية تستلزم ضبطاً إسرائيلياً. لم يكن بإمكانهم السماح لإسرائيل بتدمير الجيش الثالث، ليس رأفةً بالأرواح المصرية، بل لأن تدمير الجيش الثالث كان سيُحطّم قدرة السادات على المضي في السلام ثم التطبيع، وكان كيسنجر بحاجة إلى أن يصنع السادات سلامه الخاص.

وهذا هو، في المحصلة، الجزء من إرث كيسنجر الشرق أوسطي الذي يتذرع به مُعجبوه. فالدبلوماسية المكوكية في مطلع عام 1974 – التي يتناولها ويلز في الفصلين 29 و30 – أفرزت اتفاقيتَي فصل القوات الإسرائيلية المصرية والإسرائيلية السورية، ومهّدت الطريق لزيارة السادات للقدسَ عام 1977، وأرست الأساس الذي قامت عليه اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. أما هل يستحق كيسنجر الفضل الذي يُغدقه عليه مُعجبوه، فهذا سؤال حقيقي الإثارة؛ وويلز، منطلقاً من المحاضر، يُقلّص من هذا الفضل بصورة مفيدة دون أن يتجاهله كلياً. إذ تُظهر المحادثات كيسنجر منهَكاً وغاضباً كثيراً – من شليسنجر، ومن التصلب الإسرائيلي، ومن بطء التنازلات العربية، ومن الصحفيين الذين لا يكفّون عن السؤال عن التنصت – لكنه أيضاً بارع في آليات إجبار الخصوم على دخول الغرفة الواحدة والإبقاء عليهم فيها حتى يمكن صنع اتفاق.

ما لا تُظهره المحاضر – لأنه لم يكن من عادة كيسنجر الحديث عن مثل هذه الأمور عبر الهاتف، أو ربما في أي موضع – هو أي تفكير متواصل فيما يعنيه السلام، خاصة بالنسبة للناس الذين يعيشون تحت الاحتلال أو في المنفى. وقد ظلت القضية الفلسطينية هي الصمت الكبير في “تسجيلات كيسنجر”، وهو صمت يُشكّل في ذاته نوعاً من البيان. ففي فصل تلو الآخر يتناول إسرائيل ومصر والأردن وسوريا ولبنان والدول النفطية العربية، يظهر الفلسطينيون كما ظهروا لكيسنجر في الواقع، مجرد مشكلة وعائقاً وحقيقة ديمغرافية تستدعي التعامل والتأجيل. فحل الدولتين – تلك العبارة التي باتت تعويذة طقوسية لكل إدارة أمريكية خلفت الأخرى في السياسة الشرق أوسطية، دائماً موصوفة بالهشاشة، دائماً موصوفة بالإلحاح، ولم تتجسد قط – لا وجود له في هذه المحادثات لأنها لم تكن موجودة في تصوّر كيسنجر. حيث لم يكن الفلسطينيون طرفاً يُتفاوض معه.

أزمة النفط

يتناول ويلز في أحد الفصول أزمة حظر النفط، الذي يُشكّل الخلفية للأشهر الأخيرة من انخراط كيسنجر في المنطقة ضمن التسلسل الزمني للكتاب. فقد فرضت الدول العربية المنتجة للنفط الحظر في أكتوبر 1973 رداً على الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وكانت آثاره الاقتصادية على الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وخيمةً بما يكفي لخلق ضغط سياسي حتى كيسنجر لم يستطع عزله كلياً عن السياسة الخارجية. والمحادثات التي يوردها ويلز تُظهره يدير الحظر كما أدار كل شيء، عبر قنوات خلفية، وعبر طمأنة الدول العربية بأن الولايات المتحدة ليست راعية للتوسع الإسرائيلي، وعبر الدبلوماسية المكوكية التي أفرزت في نهاية المطاف اتفاقيات فصل القوات والشروط اللازمة لرفع الحظر في مارس 1974.

المثير في قراءة هذه المحادثات عام 2026 هو الدرجة التي باتت بها البنية التي شيّدها كيسنجر – هيمنة أمريكية على عملية السلام في الشرق الأوسط، وإقصاء للاتحاد السوفيتي، واستمالة للدول العربية “المعتدلة” شركاء، وتأجيل لا نهاية له للتقرير المصيري الفلسطيني – نموذجاً مرجعياً أخذته كل إدارة لاحقة في التعامل مع المنطقة. كامب ديفيد شُيّد على أسس كيسنجر. وأوسلو شُيّد على أسس كامب ديفيد. واتفاقيات إبراهيم اتكأت على منطق التطبيع دون تسوية الذي مارسه كيسنجر منذ عام 1969. والقضية الفلسطينية، المؤجَّلة مراراً، لم تُحسم. والتهجير الذي لم تكن محادثات كيسنجر الهاتفية تُعيره كبير اهتمام لم يُعالَج، بل تفاقم. والحقيقة أن هذه ليست حجة ويلز تحديداً. فهو مؤرّخ يكتفي بأن تؤدي التسجيلات العمل الذي كان يمكنه إنجازه بالتحليل. منهج الكتاب يقوم على الجمع والتنسيق، مع إتاحة الأصوات لتتكلم، مضافاً إلى كل محادثة توطئة تشرح السياق وتضفي على المضمون مفهومية ضرورية. وهو منهج يُنتج كتاباً بالغ الكثافة وعسير الهضم أحياناً.

يصدر كتاب “تسجيلات كيسنجر” في لحظة بعينها من مسيرة التاريخ للسياسة الخارجية الأمريكية، فقد رحل كيسنجر نفسه في نوفمبر 2023، ومازلنا في عالمنا العربي نجني حصاد سياسته الكارثية في كل مكانٍ. كتب ويلز كتابه على الأرجح قبل السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها. لكنه لا يمكن الآن أن يُقرأ بمعزل عن هذا السياق، والسياق يُضيء كل صفحة من فصول الشرق الأوسط بنوع من الوضوح الاسترجاعي الذي لا يبعث على الارتياح.  إن الإطار الذي شيّده كيسنجر – الإصرار على أن القضية الفلسطينية يمكن إدارتها إلى أجل غير مسمى، وأن الحكومات العربية “المعتدلة” يمكن استمالتها شركاء دون معالجة المظلمة الجوهرية التي تحرّك شعوبها، وأن الهيمنة الأمريكية على عملية السلام تستدعي إقصاء كل طرف، بما فيه الفلسطينيون أنفسهم – لم يصمد. ولم يصمد في أي وقت ولن يصمد مستقبلاً. كل جيل من رجال الدولة الأمريكيين ورثه ورقّعه وسلّمه لخلفه وهو أكثر بلىً.

أخيراً لابد من الإشارة إلى أن توم ويلز أنجز عمل التجميع بصرامة أكاديمية جديرة بالثناء وبعد ملموس عن تمجيد الأبطال. هو أقرب في منهجه إلى المحررين الأرشيفيين والمؤرخين الوثائقيين. والنتيجة كتاب سيكون قراءة لا غنى عنها للباحثين في حقبة نيكسون، ولكل من يهتم جدياً بصناعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهو أيضاً، بطريقة أهدأ، كتاب عن أكلاف التعامل مع التاريخ على أنه مكالمة هاتفية أو شيء يجب إدارته وتسجيله واستخدامه ثم حفظه في الملفات في نهاية المطاف.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.