Skip to main content Scroll Top

صحفي ومغامر وجاسوس: يوميات «فرانك كيرنز» داخل الثورة الجزائرية

«يوميات جزائرية: فرانك كيرنز والمهمة المستحيلة لشبكة سي بي إس الإخبارية»
جيرالد ديفيس، منشورات جامعة ويست فيرجينيا، 199 صفحة.

ثمة صورة فوتوغرافية مُدرجة في هذا الكتاب تُوقف القارئ عند حدودها مشدوهاً. فرانك كيرنز، المراسل المتعاون مع شبكة CBS News، جالسٌ على صخرة في جبال شرق الجزائر في صيف عام 1957، ومقاتل من المتمردين يُهذّب لحيته. أما مصوّره يوسف مصراف — المعروف بـ”جو” — فيقف بجانبه كوب في يده، بلا مبالاة تنمّ عن رجل أعاد كلياً معايرة مفهومه لما يُشكّله التعب والعذاب في مسارب الجبال الوعرة. حولهما، غير ظاهرَين في الصورة لكن حاضرَين بوضوح لا يُحتمل في اليوميات التي تُشكّل قلب الكتاب، قاذفات بي-26 فرنسية تحمل شارات أمريكية، وقوة تعداد نحو ثمانين ألف جندي فرنسي، وألغام أرضية، وأسلاك شائكة، وحرائق نابالم تلتهم غابات الفلّين والبلّوط، ومقاتلون جرحى يفتقرون إلى المورفين، وأطفال فقدوا عائلاتهم بأسرها، وجيش من المتمردين الوطنيين الجزائريين الذين يقطعون أربعين ميلاً في ليلة واحدة ثم يُقيمون صلاتهم عند الفجر مستقبلين القبلة بخشوع وصفاء روحي.

جيرالد ديفيس، صانع الأفلام الوثائقية والطالب السابق في فصل كيرنز بجامعة ويست فيرجينيا، أمضى قرابة عقد من الزمن يسعى إلى إنصاف هذه الزاوية المنسية من تاريخ الصحافة التلفزيونية. *اليوميات الجزائرية* هي محاولته الثانية — سبقتها وثيقةٌ حائزة على جائزة إيمي عام 2012 — وهي مشروع أكثر اتساعاً وإشباعاً وتعقيداً بكثير من الفيلم الذي سبقه. يتمتع الكتاب بأمانة لافتة تجاه ما يطمح إليه، إنه في آنٍ واحد جزءٌ من تاريخ الصحافة، وجزءٌ من سيرة ذاتية لرجل استثنائي مثير للإشكال، وجزءٌ من نشر للوثائق الأصلية، وجزءٌ من تأمل مطوّل في التناقضات الأخلاقية التي ابتلي بها المراسلون الأمريكيون في الخارج إبان الحرب الباردة. لا يُوفَّق ديفيس دائماً في أن يحقق هذا كله في آنٍ واحد، وتبدو اختلالات البناء الهيكلي للكتاب بارزةً أحياناً. غير أن الوثيقة المحورية التي يدور حولها كل شيء، وهي يوميات كيرنز نفسه عن ستة أسابيع قضاها مُرافقاً لمقاتلي جبهة التحرير الوطني في صيف 1957 يبدو شيئاً استثنائي حقاً، فنحن أمام كتابة حربية خامة، غير مُحرَّرة، بالغة الإنسانية، تستحق أن تُصنَّف إلى جانب أرفع ما أنتجته الصحافة إبان الأفول الطويل للاستعمار الأوروبي.

في عام 1957، أرسل محرر الشؤون الخارجية في CBS News رالف باسكمان — الذي يصفه ديفيس بأنه “خشن متجهّم، مُدجَّج بتجارب الشارع” — اثنَين من مراسليه المتعاونين في القاهرة عبر الحدود التونسية إلى جبال شرق الجزائر لتغطية الحرب في الجزائر من جانب جبهة التحرير الوطني. كان الأمر، كما اعترف باسكمان في برقية التكليف، “غير واقعي إلى حدٍّ ما، أو مستحيل”. لم تكن الحكومة الفرنسية تعترف بالصراع بوصفه حرباً. لم تكن ثمة بطاقات صحفية تحمي الصحفيَّين إن وقعا في الأسر. كان كيرنز ورفيقه سيتنقلان دون جوازات سفر، دون تأشيرات، ودون أي غطاء رسمي من أي نوع، حاملَين أربعمائة رطل من معدات الراديو والتلفزيون عبر تضاريس يجوبها ثمانون ألف جندي فرنسي، وأرضٍ تخللها الألغام وتقطّعتها الأسلاك الشائكة. كتب باسكمان بتفاؤل عملي لرجل يجلس بأمان خلف مكتبه في نيويورك: “نحن نُحبكما كثيراً” لدرجة أننا لا نريدكما ميتَين، “فضلاً عن أنكما لن تكونا نافعَين لنا إذا متّما”.

لكنهما ذهبا على أي حال، وما دوّنه كيرنز خلال تلك الأسابيع الستة – في دفاتر حلزونية صغيرة متبللة بالعرق وعلى ورق شفاف رقيق، تحت أشجار البلّوط بينما كانت طائرات الاستطلاع الفرنسية تحوم فوق المظلة الخضراء – هو المادة الأساسية لهذا الكتاب. آثر ديفيس استنساخ اليوميات بكاملها، مع علامات التنقيط الأصلية، والكتابة بالأحرف الكبيرة، والعربية المنطوقة بالحروف اللاتينية، والتصحيحات الذاتية، وفقرات الكرب الحقيقي، والفكاهة الأمريكية اللاذعة التي تجري أحياناً عبر أكثر المادة قتامةً كشريان من الكوارتز. وهو ما يجعل الكتاب يتمتع بنسيج أدبي حقيقي.

من العار أن تكون أمريكياً

تبدأ اليوميات في الحادي عشر من جويلية بمزاج يصفه كيرنز نفسه بالشعور بأنه “يزداد شبهاً بشخصية في فيلم تجسس.” جهات الاتصال الأولى في القاهرة – وهي أساساً مسؤولي جبهة التحرير الوطني- تؤسس الأجواء البيروقراطية المتلوية التي ستظل سائدة طوال الرحلة. الأسابيع التي قضياها في تونس انتظاراً للتصريح بالعبور إلى الجزائر درسٌ متقن في تراكم الرعب البطيء، والطاقة العصبية لصحفيَّين خبيرَين غطيا أحداث قبرص وحرب السويس والصراع في الكونغو، لكنهما يجدان أنفسهما الآن في حالة شك حقيقي حول ما إذا كانا سينجوان خلال الشهر القادم. يرصد كيرنز حفلات الأعراس في الفناء تحت نافذته بالفندق وسط تونس، ثم يتناول أربع حبوب منومة ويحاول ألا يفكر في القادم.

بمجرد العبور إلى ما وراء الحدود، يتحوّل أسلوب الكتابة. لا يختفي الذكاء الساخر كلياً – إذ يصعب على القارئ ألا يضحك حين يصف كيرنز انهيار رفيقه  “كفيل مجروح” على قمة جبل في الثالثة صباحاً ورفضه المضي قدماً – لكنه يتخلله شيء أكثر خشونة. تُعالَج رواية اكتشاف ثمانية مقاتلين جرحى مختبئين في وادٍ، أحدهم لم يتبق له سوى “نصف وجه” بعد غارة جوية، بضبط نفس يجعلها أكثر وطأة من أي قدر من الوصف الحي. يُفرغ كيرنز حقيبة الإسعافات الأولى التي حزمتها زوجته ليساعد رجلاً لا يستطيع الأكل أو الشرب، عيناه “حيتان وإنسانيتان، ومع ذلك حيوانيتان، غارقتان في الألم، تسألان وتبحثان”، ثم يكتب ببساطة: “لا أشعر بكثير من الفخر كوني أمريكياً اليوم… ولا بكثير من الفخر، في الواقع، كوني إنساناً”.

هذه العبارة هي الأكثر إيلاماً، وتُشير إلى إحدى أكثر اهتمامات الكتاب إثارةً للاهتمام. طوال اليوميات، يُراقب كيرنز – وهو رجل خدم في فيلق مكافحة التجسس في الجيش الأمريكي في شمال أفريقيا وأوروبا، وشهد تحرير داخاو، وآمن بالمشروع الأمريكي الأشمل للحفاظ على العالم آمناً من الشمولية السوفيتية – بي-26 وP-38 أمريكية تقصف المدنيين الجزائريين، وهو عاجز عن التوفيق بين ما يراه وموقف واشنطن الذي يصرّ على أن الولايات المتحدة لا تستطيع التدخل فيما تصرّ فرنسا على تسميته مسألةً أمنية داخلية بحتة. المجاهدون الجزائريون الذين يُجري معهم المقابلات يتسمون، في معظمهم بلا استثناء، بميل هادئ ومنطقي نحو أمريكا في قناعاتهم – فهم يفهمون، أو يدّعون أنهم يفهمون، أن الأسلحة المستخدمة ضدهم قُدِّمت لفرنسا للاستخدام في حلف الناتو، لا في جبال الأوراس – وإيمانهم المتواصل بالمُثل الأمريكية على الرغم من القصف الأمريكي اليومي يرتدي ألماً يكاد يكون لا يُحتمل. يكتب كيرنز في ملخصه الختامي من تونس: “ها هم يتعرضون يومياً لهجمات الأسلحة الأمريكية، ومع ذلك لا يزالون مؤيدين لأمريكا، لا يزالون متشبثين بمُثلٍ عليا عن أمريكا. إنه إيمان خارق، لا يُصدَّق، إيمان في مواجهة الحقائق والرصاص والقنابل، القلب في مواجهة العقل”.

كيرنز والمخابرات المركزية

يضع ديفيس كل هذا في سياق رواية مفصّلة عن علاقة شبكات البث بالحكومة الأمريكية في السنوات الأولى لأخبار التلفزيون، وهنا يبلغ الكتاب ذروة الاستفزاز الفكري. لكم تكن CBC في خمسينيات القرن الماضي، كما يتضح، المؤسسة الإخبارية المستقلة التي تُوحي بها أسطورتها المُعاد سردها. رئيس مجلس الإدارة ويليام بالي – العضو المخضرم في مكتب معلومات الحرب إبان  الحرب العالمية الثانية – أدلى بشهادته أمام لجنة تشيرش في السبعينيات قائلاً إنه “اعتقد أن من واجبه المساعدة” في خدمة أجهزة الاستخبارات، ولم تكن CBS بعيدة عن شبكات البث الأخرى التي وفّرت غطاءً لعملاء المخابرات المركزية، وشاركت تقارير ميدانية خاماً مع مسؤولي الحكومة قبل بثّها، وطوّعت برامج شؤونها العامة لتتوافق مع الروايات المفضّلة لواشنطن في الحرب الباردة. كان مبدأ الإنصاف الإعلامي، الذي يهدف إلى ضمان البث المتوازن في خدمة الصالح العام، قد وفّر في سنواته الأولى فرصةً للبيت الأبيض لتقديم أفكار برامجية – وأحياناً نصوص جاهزة – لشبكات تكافح لملء أوقات بثّها.

والحقيقة لا يمكن قراءة “اليوميات الجزائرية” بمعزل عن السؤال الذي يُلقي بظلاله الثقيلة على كل صفحة من صفحاتها: هل كان فرانك كيرنز عميلاً للمخابرات المركزية الأمريكية؟ ديفيس لا يُجيب عن هذا السؤال بشكل قاطع – وهذا في حد ذاته موقف -لكن الوقائع التي يرويها تبني صورة لا يمكن تجاهلها.

الخيط الأول يمتد إلى سنوات الحرب. عندما عمل كيرنز في فيلق مكافحة التجسس بالجيش الأمريكي في لندن عام 1942، كان جاره في الخدمة ورفيقه الشخصي جندياً من ألاباما اسمه مايلز كوبلاند الابن. جمع بينهما ما وصفه كوبلاند لاحقاً بـ”المشاغبة والمرح الطويل في الليالي”، وما وصفه التاريخ بشيء أكثر تحديداً، علاقة بين عملاء استخبارات شكّلت شبكة ستبقى فاعلة لعقود. حين أُسّس مكتب القاهرة لـCBS عام 1953، كان كوبلاند يعمل هناك عميلاً للمخابرات المركزية تحت غطاء شركة بوز ألن هاميلتون للاستشارات – يسكن في ضاحية راقية لا يفصل بين منزله ومنزل أحد أقرب مساعدي الرئيس ناصر سوى سياج. والصدفة، إن صحّ تسميتها بذلك، جعلت كيرنز يفتح مكتبه الصغير في نفس المدينة وفي نفس العام. أما الخيط الثاني أكثر مباشرة. ديفيس يروي أن سيغ ميكيلسون، رئيس CBS للأخبار والشؤون العامة آنذاك، كشف عن”استقالة كيرنز المقدّمة مسبقاً من الوكالة” – وثيقة تُفيد بأن كيرنز كان عضواً في المخابرات المركزية قبل التحاقه بـCBS بصفة رسمية. وهذه الوثيقة، لا تُثبت فحسب أن كيرنز عمل للوكالة، بل تُثبت أن رئيسه في الشبكة كان على علم بذلك. والأشد خطورةً ما أدلى به مسؤول سابق في إطار جلسات لجنة تشيرش في السبعينيات، حين شهد بأن المخابرات المركزية كانت تعتمد على مئات الصحفيين في “مهام متنوعة” – وكانت CBS في مقدمة المؤسسات الإعلامية “الشريكة”.

لكن الإشكالية الأعمق ليست في الإجابة عن سؤال العضوية الرسمية – هل أدّى كيرنز قسم الولاء؟ هل تلقّى راتباً ثانياً؟ -بل في التساؤل عمّا إذا كانت هذه التفاصيل البيروقراطية تُغيّر شيئاً جوهرياً في تقييم عمله. الرجل الذي يُدلي بمعلومات عن تحركات الجيش الفرنسي لصديقه رئيس المحطة في القاهرة بعد عشاء ودي، والذي يُفرغ قلبه في يوميات صادقة عن مظالم الشعب الجزائري – هل هو شخصان مختلفان، أم شخص واحد مُركَّب تستوعبه التناقضات دون أن تُدمّره؟

ثمة بُعد آخر لا يُعالجه ديفيس بالعمق الكافي، وهو المهمة الجزائرية ذاتها كانت مُثلَّثة المصالح بصورة يصعب القبول بها كمجرد مصادفة. فجبهة التحرير الوطني كانت سعيدة بوجود طاقم تلفزيوني أمريكي يوثّق أوراق اعتمادها غير الشيوعية في لحظة كانت فيها تبحث عن دعم الأمم المتحدة وواشنطن. ورئيس محطة المخابرات المركزية في القاهرة كان بالقدر ذاته مسروراً بتدفق معلومات استخباراتية تفصيلية حول قوة جيش التحرير وتنظيمه وأيديولوجيته عبر قناة موثوقة. وCBS  كانت تحقق يبقاً إعلامياً. ربح الجميع، وهذا التوافق المحكم بين مصالح أطراف ثلاثة ليس حظاً بالتأكيد.

ما نعرفه على وجه اليقين هو أن كيرنز مات غاضباً. فحين بثّت CBS تقريرها الذي كشف علاقته بوكالة الاستخبارات المركزية عام 1976، اتصل بصديقه القديم إريك سيفيريد صارخاً: “ما الذي يريدونه؟ ما الفائدة من ذلك؟ لماذا أنا؟ لماذا الآن؟” وسيفيريد – الكاتب البارع الذي نادراً ما أُسكت – لم يجد جواباً. هذا الغضب الموجع، الذي تقول زوجته إنه أسهم في موته، يحتمل تفسيرَين متناقضَين تماماً، إما أنه غضب بريء مظلوم أُلصقت به تهمة باطلة، أو أنه غضب رجل خوّنَته المؤسسة التي خدمها بصمت طوال عقدَين، حين لم تعد بحاجة إلى خدماته.

يميل ديفيس إلى التفسير الأول دون أن يُصرّح بذلك. غير أن اليوميات نفسها، بصدقها النادر وبراغماتيتها الأمريكية الصريحة، تُبقي الباب مفتوحاً على الاحتمالَين معاً. وربما هذا الغموض هو الأكثر أمانةً في التعبير عن حقبة كان فيها الصحفيون والجواسيس والمؤمنون بحقوق الشعوب يمكن أن يسكنوا في جسد واحد، يسيرون معاً في جبال الجزائر، ويكتبون في الظلام.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.