Skip to main content Scroll Top

غسق الأولياء: تاريخ السلفية وسياستها في مصر الحديثة

Stéphane Lacroix, translated by Jeremy Sorkin
Columbia University Press, 342 pp.

في صيف عام 2011، بعد أشهر قليلة من سقوط مبارك، وجد ستيفان لاكروا – عالم السياسة الفرنسي الذي كان يتردّد على الأوساط السلفية في الإسكندرية والقاهرة منذ عام 2010 – نفسه أمام حدثٍ لم يتوقعه معظم متابعي الشأن المصري، ولم يستوعبه كثيرون منهم. فحزب النور، الذي لم يمضِ على تأسيسه سوى أشهرٍ قليلة، والتابع لمنظمة “الدعوة السلفية”، كان يتقدّم نحو المركز الثاني في أول انتخابات حرة تشهدها البلاد، حاصداً أكثر من ربع الأصوات. أما تصدُّر جماعة الإخوان المسلمين، بتاريخها الممتد ثمانين عاماً ومكانتها العالمية، فلم يكن مفاجئاً. المفاجأة كانت في مشهد الدعاة الملتحين الذين أمضوا عقوداً وهم يصفون العمل السياسي الانتخابي بأنه ضربٌ من الوثنية، وقد أصبحوا يقودون أتباعهم إلى صناديق الاقتراع ليخرجوا منها بخمسة وعشرين بالمئة من مقاعد البرلمان. يصف لاكروا ذلك بقوله إنها كانت المفاجأة الحقيقية لتلك الانتخابات. وهذه المفاجأة هي ما يحاول هذا الكتاب – الذي صدر أصلاً بالفرنسية عام 2024 تحت عنوان Le crépuscule des saints – تفسيرها ببراعة، وإن اتسم أحياناً بالشمول أكثر من اللازم.

عنوان الكتاب “شفق الأولياء” قد يوحي بمعنى مغاير لمقصوده. فالأولياء هنا ليسوا مشايخ السلفية، بل الشخصيات الصوفية التي يزدريها هؤلاء المشايخ: الموتى المُبجَّلون، والأضرحة، والموالد بموسيقاها وأجوائها الشعبية الحميمة. فمنذ ظهورها في مصر في عشرينيات القرن الماضي، قام المشروع العقدي للسلفية بأكمله على استئصال ما يسمّيه أتباعها الشرك – أي نسبة الصفات الإلهية إلى غير الله – وكانت الحملة على تعظيم الأولياء والممارسات الصوفية أبرز تجليات هذا الاستئصال. إذن، فالشفق المقصود هنا ليس شفق السلفية، بل شفق ما حلّت محله: الإسلام المصري التقليدي المتجذر في الأشعرية والتصوف والمذاهب الفقهية الأربعة، الذي ظل لقرون هو المعيار الديني السائد في البلاد، وكان الأزهر تجسيده المؤسسي. العنوان إذن إعلانٌ عن تحوّل حضاري كامل، ومساهمة لاكروا الأساسية هي شرح كيفية حدوث هذا التحوّل بدقة متناهية.

حجة الكتاب المركزية تبدو بسيطة في ظاهرها. فصعود السلفية في مصر لم يكن وليد الأموال السعودية فحسب، وإن كانت هذه الأموال قد أسهمت فيه، ولم يكن أيضاً مفروضاً من الخارج، وإن وصلت إليه إمداداتٌ منه. بل كان، في جوهره، إنجازاً لما يسمّيه لاكروا – مستعيراً المصطلح من عالم الاجتماع هوارد بيكر – بـ”رواد المعايير”: مجموعة متغيّرة من الأفراد الملتزمين الذين تحرّكهم قناعة أصيلة، امتدت جهودهم من عشرينيات القرن الماضي حتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، واستثمروا بمنهجية كل أداة مؤسسية متاحة لهم – النشر، والمساجد، والتعليم، والتلفزيون، وأخيراً الأحزاب السياسية – لفرض هيمنة رؤيتهم للعقيدة الإسلامية. وبحلول انتخابات عام 2011، كانت النتيجة مجتمعاً أصبح فيه الفكر السلفي، على حد تعبير لاكروا، معياراً “لا شعورياً”: فأغلب المصريين الذين لا يصفون أنفسهم بالسلفيين، ولا يمارسون التديّن على طريقتهم، وجدوا أنفسهم مع ذلك، حين سُئلوا، يؤيدون المواقف السلفية في قضايا لباس المرأة، وتعظيم القبور، والاختلاط بين الجنسين، وعدم شرعية التأويل العقلي في أمور العقيدة.

ولا سبيل إلى تدعيم حجة من هذا النوع إلا بتأريخ اجتماعي طويل النفس، وهو ما وفّره لاكروا بالفعل. يغطي الكتاب ما يقارب قرناً كاملاً، بدءاً من تأسيس جماعة أنصار السنة المحمدية عام 1926، وصولاً إلى ما بعد الثورة، ونهاية التجربة السياسية للدعوة السلفية الفعلية عام 2013. يتناول كل فصل مرحلة مغايرة وطائفة مختلفة من الفاعلين، والمنهج المتبع طوال الكتاب يثير الإعجاب: فقد أجرى لاكروا بحثاً ميدانياً في مصر امتد ثلاث سنوات، من 2010 إلى 2013، متزامناً مع الثورة وتداعياتها، وأكمله بمقابلات مع شخصيات تاريخية، ورجوعٍ إلى أرشيف الحركة ووثائقها الداخلية، وكذلك ملفات أمن الدولة التي أُحرق بعضها واستولى عليها المتظاهرون بعد الانتفاضة. ونتيجة لكل ذلك، يبدو هذا الكتاب على الأرجح أكثر الروايات تفصيلاً عن السلفية المصرية المكتوبة بأي لغة أوروبية، وسيغدو مرجعاً لا غنى عنه لكل من يشتغل في هذا الحقل.

الفصول الافتتاحية، التي تتناول الجيل السلفي المصري الأول، هي الأكثر أصالة من الناحية التاريخية. يعيد لاكروا تتبع جذور الحركة إلى الدائرة الفكرية المحيطة بمحمد رشيد رضا، الصحفي اللبناني الأصل ورئيس تحرير مجلة “المنار” المؤثرة، الذي شهد في عشرينيات القرن الماضي تحوّلاً فكرياً تدريجياً، من الحداثة العقلانية التي تبنّاها أستاذه محمد عبده إلى حنبلية ابن تيمية ووهابية ابن عبد الوهاب. وارتبط هذا التحوّل ارتباطاً وثيقاً بتنامي حماس رضا لمشروع بناء الدولة السعودية في شبه الجزيرة العربية، وقد تيسّر له مادياً بفضل تدفق متواضع لكنه ملموس من الأموال السعودية إلى دار نشره. ومن خلال هذه الدار، وشبكة من الناشرين المتحالفين معها – وعلى رأسهم المهاجر السوري محب الدين الخطيب، الذي بدأت “مكتبته السلفية” بتوزيع النصوص اللاهوتية الحنبلية على جمهور مصري لم يكن يملك سبيلاً للوصول إليها من قبل – بدأت المرجعية السلفية بالتداول في مصر لأول مرة.

ومما يشدّ الانتباه بشكل خاص في سرد لاكروا هنا هو تركيزه على السياسة النصّية الكامنة وراء هذا التحول. فـ”معركة المتون”، على حد تسميته، كانت في جوهرها معركة نشر: أغرق السلفيون السوق بطبعات محقّقة لأعمال ابن تيمية وابن قيّم الجوزية وابن كثير – وهي نصوص كانت شبه غائبة عن مصر العثمانية – وقدّموها عبر مقدمات وحواشٍ تُعلي من شأن قراءاتها الحنبلية على حساب التأويلات الممكنة الأخرى. وفي بلدٍ يزداد فيه جمهورٌ متعلّم تعطّشاً للإرشاد الديني، بينما يقف علماء الأزهر التقليديون في موقعٍ ضعيف يعجزهم عن الاستجابة – بسبب أجورهم الزهيدة، وغياب الإلهام غالباً، وتآكل سلطتهم تدريجياً نتيجة استقطاب الدولة لهم – كانت استراتيجية النشر هذه بالغة الفعالية. إنها درسٌ في كيفية حدوث التحول المعياري: ليس عبر هجومٍ مباشر على المؤسسات القائمة، بل عبر إعادة تشكيلٍ متأنٍّ للنصوص المتداولة أصلاً.

أما القسم الأوسط من الكتاب، المخصص لعهدي عبد الناصر والسادات، فيطرح فيه لاكروا حجته المركزية الأكثر مخالفة للحدس بوضوحٍ تام. يقرّ الرأي السائد بأن قمع عبد الناصر الوحشي لجماعة الإخوان المسلمين، وتحالف السادات التكتيكي اللاحق مع الإسلاميين لتقويض اليسار الناصري، يفسّران معاً صعود الإسلام السياسي في مصر خلال سبعينيات القرن العشرين. ولا يجادل لاكروا في ذلك، لكنه يبيّن أن السلفية ظاهرة مختلفة تماماً، سلكت مساراً خاصاً بها. فمن سخرية الأقدار أن حملة عبد الناصر على الإخوان كانت هدية للسلفيين: إذ أزالت منافسهم الديني الرئيسي من الساحة، وأنتجت في المقابل جيلاً من المتشددين – نشطاء الجماعة الإسلامية في أواخر الستينيات والسبعينيات – الذين تشكّلوا دينياً في مساجد أنصار السنة والجامعة الشرعية، وحملوا معهم إطاراً فكرياً سلفياً منذ شبابهم، ثم عبر التزاماتهم السياسية، وصولاً إلى الجهاد. ومن أدق فصول الكتاب وأكثرها كشفاً ذلك الذي يتتبع الجذور الفكرية لشخصيات مثل أيمن الظواهري، الذي كان يتردد في شبابه على مساجد أنصار السنة في ضاحية المعادي بالقاهرة، ويقرأ كتب ابن تيمية في المكتبة السلفية. ويوضح لاكروا أن الأسس الفكرية للجهادية المصرية كانت سلفية خالصة، وأن ما استُعير من سيد قطب لم يكن سوى أسلوب العمل، أي الاستعداد لاستخدام العنف السياسي.

ومن هنا ينتقل لاكروا إلى واحدة من أهم تمييزاته التحليلية: الفرق بين الخطاب السلفي والنحو السلفي. فهو يرى أن هذين الجانبين قابلان للانفصال، وأن الموروث اللاهوتي نفسه قد ينتج أنماط عملٍ مختلفة تماماً، وأن فهم تاريخ السلفية المصرية يستدعي تتبع ليس فقط ما كان الناس يعتقدونه، بل كيف تصرّفوا بناءً على تلك المعتقدات. وتمثّل الدعوة السلفية، التي تأسست في الإسكندرية أواخر السبعينيات، النموذج المثالي لديه للنحو السلفي “الخالص”: لا مشاركة انتخابية، ولا مواجهة مع الدولة، ولا تحالفات سياسية، بل تركيزٌ كامل على التعليم والدعوة، باعتبار المجال الديني الساحة الشرعية الوحيدة للمعركة. ويختلف هذا جذرياً عن “النحو الإسلامي” لجماعة الإخوان المسلمين، التي تجعل من إقامة الدولة الإسلامية هدفاً أساسياً وتنظر إلى السياسة كوسيلة رئيسية، وعن “النحو الجهادي” لجماعات كالجهاد الإسلامي، التي تضيف العنف السياسي إلى ذخيرة العمل الإسلامي. أما تأسيس حزب النور عام 2011 فيمثل، في نظر لاكروا، نموذجاً هجيناً: خطاب سلفي يُوظَّف عبر نحوٍ إسلامي جزئياً، بما يترتب على ذلك من عواقب مربكة لنقاء العقيدة الذي كانت الحركة تدّعيه.

هذا الإطار التحليلي أنيقٌ ويؤدي وظيفة تفسيرية حقيقية. فهو يمكّن لاكروا، بشكل خاص، من تفسير أمرٍ حيّر كثيراً من المراقبين: لماذا أيّدت الدعوة السلفية، بعد ثلاثة عقود من التنديد بالعمل السياسي الانتخابي بوصفه وثنية، حزب النور وطموحاته البرلمانية؟ والجواب، من زاوية النحو لا الخطاب، ليس أن المشايخ تخلّوا عن مبادئهم، بل أن سياق ما بعد الثورة أعاد صياغة حساباتهم للتكاليف والمنافع. فقد كان عدوّهم الأول دوماً جماعة الإخوان المسلمين، لا الدولة المصرية، ومنحت الثورة الإخوان فجأة فرصة الهيمنة على المجالين السياسي والديني معاً في مصر، وبدا حزب النور، في نظر مشايخ الدعوة، الأداة الوحيدة المتاحة لمنع ذلك. وهذا يفسّر أيضاً القرار المثير للدهشة الذي اتخذه حزب النور بدعم الانقلاب العسكري في يوليو 2013 ضد حكومة الإخوان المسلمين، لا لأن الدعوة السلفية كانت أداة بيد الأجهزة الأمنية كما افترض كثير من المحللين – ويوضح لاكروا أن هذا الافتراض غير دقيق إلى حد بعيد – بل لأن منع هيمنة الإخوان كان، بالنسبة إلى الدعوة، الأولوية الاستراتيجية العليا.

هنا يبلغ لاكروا ذروة تألقه: إذ يتناول خيارات سياسية تبدو غريبة أو ساخرة، ويكشف كيف تخضع لمنطقٍ داخلي مفهوم بمجرد استيعاب قواعده. كما يقدّم، ضمنياً، حجة منهجية ضد التفسيرات الاختزالية، سواء كانت جيوسياسية (تحريك السعوديين لهم)، أو تآمرية (سيطرة الدولة العميقة عليهم)، أو نفسية (تفسير سلوكهم بالعداء الشخصي). فالفاعلون هنا عقلانيون، وفهمهم يستلزم الغوص في رؤيتهم للعالم لا مجرد تفسيرها من الخارج.

أما الفصول التي تتناول عهد مبارك فهي الأكثر كثافة من الناحية السوسيولوجية، وربما الأكثر أصالة في الكتاب كله. يتتبع لاكروا بتفصيل دقيق كيف طوّرت الأجهزة الأمنية، وبخاصة تحقيقات أمن الدولة، علاقة متناقضة الظاهر لكنها داعمة في نهاية المطاف للحركة السلفية. وكانت الحسابات واضحة: فالسلفية، أو نسختها الموالية للنظام على الأقل، لم تكن تشكّل تهديداً سياسياً، بل كانت ثقلاً موازناً مفيداً لجماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن أن خطابها المعادي للشيعة وإيران خدم مصالح جيوسياسية إقليمية. وكانت النتيجة تسامحاً تدريجياً: سُمح لمشايخ السلفية الموالين بالعمل، بل مُنحوا في نهاية المطاف تراخيص لقنوات فضائية، بينما تعرّضت صحيفة الدعوة السلفية والتيارات السلفية الناقدة للمضايقة والاعتقال بشكل دوري. ويبيّن لاكروا أن النتيجة الشاذة كانت بالضبط ما لم يقصده النظام: فبحلول عام 2006، أدى انتشار القنوات الفضائية السلفية على “نايل سات” – قناة الناس، وقناة الرحمة، وقناة الحكمة، وعشرات غيرها – إلى جعل السلفية الخطاب الديني الأكثر حضوراً في مصر، وتحوّلت بذلك إلى أمرٍ مألوف لدى ملايين المشاهدين ممن لم يدخلوا مسجداً قط أو يقرأوا منشوراً لأنصار السنة.

يقدّم تحليل لاكروا لهذه الظاهرة التلفزيونية صورة واضحة عمّا كانت تمثّله وما لم تكن كذلك. فالقنوات الفضائية لم تكن، في المقام الأول، مشروعاً أيديولوجياً بقدر ما كانت مشروعاً تجارياً، موّله رجال أعمال رصدوا ثغرة في السوق. واكتسب نجوم برامجها – محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني – شعبية واسعة تحديداً لأنهم قدّموا رؤية أخلاقية للإسلام تخاطب الحياة اليومية دون أي تحريض سياسي مباشر. غير أن الأثر التراكمي لسنوات من هذه البرامج كان تحويل المواقف السلفية المعيارية – وجوب تغطية النساء وجوههن، وكون تعظيم الأولياء شركاً، وتحريم الموسيقى، وعدم اعتبار الشيعة مسلمين حقيقيين – إلى الرأي السائد لدى عامة المصريين. وحين اندلعت ثورة 2011، وأظهرت استطلاعات الرأي أن أغلب المصريين الذين لا يعرّفون أنفسهم سلفيين يتبنّون مع ذلك مواقف سلفية، كان جزء كبير من التفسير كامناً في جداول البرامج التلفزيونية للعقد السابق.

ويخوض الكتاب في مجمله نقاشاً عميقاً وهادئاً حول العلاقة بين الهيمنة الدينية والسلطة السياسية. فقد حقق السلفيون هيمنة دينية دون أن يترجموها بعد إلى سلطة سياسية، ولم تفضِ هيمنتهم المعيارية، حتى في أوج نجاح حزب النور، إلى قيام “مصر سلفية”. بل من أبرز ملاحظات الكتاب أن نجاح السلفية ذاته هو ما أنتج أزمتها الراهنة: فحين يصبح خطابٌ ما مهيمناً، يغدو متاحاً للجميع، بمن فيهم من لا يكترثون بالنقاء العقدي الذي كانت الحركة الأصلية تعتزّ به. ويقدّم لاكروا في دراسة تشخيصية دقيقة صعود حازم أبو إسماعيل – الشيخ السلفي الشعبوي الذي ترشّح للرئاسة عام 2012 وجذب حشوداً غفيرة من أتباعٍ فهموا “السلفية” لغةً للأصالة الثقافية ومواجهة الغرب لا برنامجاً عقدياً دقيقاً – نموذجاً لهذه الديناميكية. فقد استعارت “السلفية الثورية” التي تبنّاها أبو إسماعيل مفردات الحركة مع تخلّيها عن نحوها، وكانت النتيجة في آنٍ واحد من أكثر تجلياتها السياسية إثارةً للدهشة، وأشدها إزعاجاً لحرّاس عقيدتها.

ومع ذلك، ثمة تحفظات تستحق الذكر. فالإطار التحليلي للكتاب، على أناقته، يقع أحياناً في نوعٍ من الدائرية: فحين يتوافق سلوك أحد السلفيين مع القواعد المتوقعة، يُقدَّم ذلك تأكيداً للنظرية، وحين ينحرف عنها، يُفسَّر بأنه “تهجين” أو تطبيق لـ”قاعدة الواقعية”. فالقواعد تُستخدم للتفسير والوصف معاً، ويصعب أحياناً تمييز أحدهما عن الآخر. والأهم من ذلك أن تركيز الكتاب المتعمد على المستوى الكلي يترك المستوى الجزئي – أي لماذا وجد أفراد بعينهم، في مواقع اجتماعية محددة، جاذبية في السلفية – دون تفسير كافٍ. ويقرّ لاكروا نفسه بهذا الفراغ، مشيراً إلى دراسات أنثروبولوجية، كـ”سياسة التقوى” لسابا محمود، وأعمال سامولي شيلكه عن المولد النبوي، بوصفها مكمّلات ضرورية. لكن هذا الغياب يترك أمراً مهماً دون تفسير كافٍ. فعلم اجتماع انتشار السلفية بين الطبقة الوسطى الدنيا وفقراء المدن وسكان الريف والدلتا يُلمَس دون أن يُحلَّل بعمق كافٍ، كما أن دور النوع الاجتماعي، وجاذبية المعايير السلفية الخاصة لفئات معينة من النساء، لم يحظَ بالاهتمام الذي يستحقه في حركة تحتل فيها النساء موقعاً محورياً في الممارسة اليومية، بينما يُقصَين بشكل ممنهج من القيادة.

ويُلاحَظ أيضاً بعض القصور في تناول الكتاب للأزهر كمؤسسة. صحيح أن لاكروا محقٌّ في أن الإسلام الأزهري أُضعف تدريجياً باستقطاب الدولة له – إذ يبدو قرار إخضاع الأزهر لسيطرة الدولة عام 1961، بأثر رجعي، من أهم القرارات في تشكيل المشهد الديني الذي يصفه الكتاب – إلا أن النقاشات العقدية الداخلية للمؤسسة، والطرق التي قاوم بها علماؤها النفوذ السلفي أو استوعبوه على مدى العقود، كانت تستحق اهتماماً أعمق مما نالته. فالتحوّل السلفي للإسلام المصري وقع جزئياً داخل الأزهر ذاته، عبر طلابه وعبر التغلغل التدريجي للنصوص والمعايير السلفية في مناهجه، وهذه القصة لم تُروَ إلا بإيجاز.

ومع هذه الملاحظات، يبقى “غسق الأولياء” إنجازاً بارزاً. فهو أشمل رواية كُتبت حتى الآن عن كيفية تطوّر أحد أهم التحولات الدينية في القرن العشرين داخل بلد واحد. كما يسهم، ولو ضمنياً، في الإجابة عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية حدوث الثورات المعيارية: كيف يغدو خطاب الأقلية مهيمناً، وكيف تنتقل النصوص من الهامش إلى مركز التراث، وكيف يمكن للمؤسسات أن تُقوَّض من الداخل وتُصلَح من الخارج في آنٍ واحد. والعمليات التي يصفها لاكروا في مصر ليست حكراً عليها، فقد تكررت نسخٌ من القصة نفسها في أرجاء العالم السنّي، من المغرب إلى ماليزيا، ومن السنغال إلى إندونيسيا. وإطاره النظري – رواد المعايير، وهياكل الفرص السياسية، والحقول الدينية بمنطقها الداخلي الخاص – قابلٌ للتطبيق في سياقات أخرى كثيرة، وسيجد صداه لدى باحثين يعملون على تلك السياقات.

وما لا يصرّح به الكتاب مباشرة، وإن كان يلمّح إليه في مجمله، هو أن السلفيين نجحوا إلى حدٍّ بعيد. فقد أرادوا تغيير العقيدة الإسلامية في مصر، وقد فعلوا.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.