Skip to main content Scroll Top

«محور الإمبراطورية»: العلاقات الإيرانية الأمريكية من منظور  «الأولويات الإمبريالية»

Afshin Matin-Asgari
Axis of Empire: A History of Iran–US Relations
Verso 2026, 304p

يبدأ أفشين متين أصغاري تاريخه للعلاقات الإيرانية الأمريكية باعتراف كان يمكن أن يُعدّ نقيصةً في عالمٍ أكاديمي أكثر تحفظاً، فقد شارك في الثورة الإيرانية عامَي 1978-1979، ونشأ في أوساط اليسار الجديد ذات التوجه الأممي في صفوف الحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي، وقضى خمسة عقود في الأوساط الأكاديمية يصقل التوجه النقدي الذي تشرّبه في شبابه بدلاً من أن يتخلى عنه. فالمنظور الذي يتبنّاه معادٍ للإمبريالية ومعادٍ للقومية في آنٍ معاً. وما إذا كان هذا الرفض المزدوج يُحافظ على تماسكه عبر قرنين من التاريخ هو أحد الأسئلة المحورية التي يطرحها الكتاب على القارئ.

يصدر “محور الإمبراطورية” في ساحة مكتظة بالمؤلفات الصادرة حديثاًعن العلاقة بين إيران وأمريكا. فقد أرسى كتاب جون غزفينيان “أمريكا وإيران: تاريخ من 1720 حتى الحاضر” (2021) معياراً جديداً للطموح والسلاسة، فيما قدّمت فيروزه كاشاني في كتابها “من أبطال إلى رهائن” (2023) دراسةً أكثر تركيزاً واهتماماً بالجانب الثقافي حول المرحلة ذاتها تقريباً. يضع أصغاري نفسه في موقف المخالف لكليهما، إذ يتهم غزفينيان بتكملة “السرديات السياسية المألوفة بحكايات وطرائف من التاريخ الثقافي”، بينما يرى أن عنوان كاشاني، بما ينطوي عليه من إيحاء بسقوط مأساوي من مكانة حسن النية الأمريكية، يُسلّم بالكثير مما يريد هو هدمه. أما كتابه فـ”يتخلص من أساطير حسن النية والبدايات الميمونة”، وحيث يرى الآخرون في سوء الإدراك وانعدام الثقة محركاتٍ لهذه الكارثة الثنائية، فإنه يرى أولويات إمبريالية تعمل بمنطق متسق لافت للانتباه عبر الإدارات المتعاقبة والأحزاب والعقود.

ينتظم الكتاب في ستة فصول متتابعة زمنياً، لكنها تصلح، كما يقول المؤلف، للقراءة بوصفها مقالات مستقلة. ويبدو هذا البناء الهجين أكثر نجاحاً في بعض المواضع منه في أخرى. ففي فصوله الأولى، يبلغ الكتاب أوجه حين يؤدي دور التركيب والاختصار، إذ يقدّم سرداً سهل المنال ومشوّقاً لأرضٍ يعرفها المختصون جيداً لكن القراء العامين سيجدون فيها ما يفيدهم. غير أنه مع انتقال السرد إلى ما بعد 1979، حين تشكّل وعي أصغاري التاريخي، تغدو الفصول أكثر تحليلاً وحدةً، وتصعب إقالة الحجة التراكمية التي يبنيها.

ماقبل الثورة

يمتد الفصل الأول من القرن التاسع عشر تقريباً حتى الحرب العالمية الأولى، هو أكثر فصول الكتاب مراجعةً حقيقية للتاريخ المعتمد، ولأسباب ليست بالجلية للوهلة الأولى. إذ يقوم السرد المعتاد للعلاقات الإيرانية الأمريكية المبكرة على فضيلة أمريكية استثنائية، مبشرون بروتستانت تحوّلوا من التبشير إلى التعليم والطب حين وجدوا التحويل الديني ضرباً من المستحيل؛ ومورغان شوستر، المستشار المالي الأمريكي الشاب الذي تحدّى الإمبريالية الأنجلو-روسية بقلم ودفتر حسابات؛ وهوارد باسكرفيل، الخريج الرابع والعشريني من جامعة برينستون الذي مات مقاتلاً في سبيل الثورة الدستورية الإيرانية وغدا أيقونةً لها. تحضر هذه الشخصيات في رواية أصغاري، لكنها تُوضع في سياق يُعدّل ملامحها البطولية بدقة. فالمبشرون لم يكونوا مُعلّمين فحسب، بل عوامل نشر للإمبريالية الثقافية الأمريكية، يُلقّنون طلابهم “مبادئ الأخلاق المسيحية” عبر التعليم العلماني ويلتفون أحياناً بحماس حول الديكتاتورية الناشئة لرضا خان. كما يُروى موت باسكرفيل بتأثر، لكنه يُقرن برفض الحكومة الأمريكية المستمر لدعم الثورة الدستورية في مواجهة التدخل الأنجلو-روسي. أما مهمة شوستر، أحد أسس أسطورة الطيبة الأمريكية تجاه إيران، فتُروى إلى جانب دوره المتزامن في تليين الأرض لمصالح الشركات النفطية الأمريكية في شمال إيران. وتبقى الأساطير راسخة لأن الإيرانيين خلطوا باستمرار بين قناعات الأمريكيين الأفراد وسياسات الحكومة الأمريكية. وهذا تمييز تحليلي مُنتج يؤدي عمله في الفصول التالية.

كما يستحق الفصل المتعلق باللقاء الثقافي الأمريكي المبكر مع إيران أن نقف عنده. إذ يتتبع المؤلف نشوء “الاستشراق” في الثقافة الشعبية الأمريكية في القرن التاسع عشر- من إعجاب رالف والدو إيمرسون بحافظ إلى منزل “إيرانستان” الفخم لـ ب. ت. بارنوم في ولاية كونيتيكت- بخفة تُبقي السرد متدفقاً دون أن تضحّي بالمقصد، وهو أن التصورات الأمريكية عن إيران قد تشكّلت من مزيج بين الرومانسية الصوفية والتراتبية العرقية الواثقة، قبل أن تدخل السياسة الحكومية في صورة. ويظهر مارك توين أكثر من مرة، مجسّداً التناقضات في قلب الثقافة الليبرالية الأمريكية، كونه بطلٌ لمعاداة الإمبريالية بعد 1898، وصاحب بعض أكثر الأوصاف عنصريةً تجاه المسلمين في أدب الرحلات في القرن التاسع عشر.

من مصدق إلى الخميني

ينتقل الكتاب خلال الفصل الثاني – “تحديد الأولويات الأمريكية في إيران: النفط والنظام الديكتاتوري العسكري”- من التاريخ الثقافي إلى التحليل السياسي البنيوي الذي يشعر أصغاري بأكبر قدر من الارتياح إزاءه، وحيث تبلغ حجته ذروتها في الإقناع وأقصى درجات الخطاطة في آنٍ معاً. فالادعاء المحوري هو أن الولايات المتحدة انضمت إلى الاحتلال الأنجلو-سوفييتي لإيران إبان الحرب العالمية الثانية، لا على الرغم من خطابها المعادي للإمبريالية، بل بوصفها وسيلةً لإحلال هيمنتها الإمبريالية محل الهيمنة البريطانية. ويُعالَج تورط إدارتَي ترومان وأيزنهاور في انقلاب 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق بوصفه التتويج المنطقي لمشروع استمر عقدين من الزمن لتوطيد السيطرة على النفط الإيراني والأجهزة العسكرية. وعرض الانقلاب نفسه في الكتاب يبدو بالغ التفصيل، حيث يستند إلى وثائق الاستخبارات المُفرج عنها ومذكرات وكالة المخابرات المركزية الداخلية ومنظومة كثيفة من المصادر الثانوية، فيُعيد تركيب التخطيط والتنفيذ والغطاء الرسمي بشمولٍ ودقةٍ.

ما يُميّز رواية أصغاري عن 1953 عن القراءة القومية اليسارية المعتادة هو استعداده لتوزيع جزء من المسؤولية على مصدق نفسه. فيُلاحظ أن خطأ مصدق الاستراتيجي لم يكن مجرد الثقة بإدارة ترومان التي كانت مزدوجة الوجه من البداية، بل سوء فهمه الجوهري لموازين القوى التي كان يعمل في ظلها. فقد رفض القطيعة مع مؤسسة الملكية التي كانت محور التحالف الأنجلو-أمريكي ضده. وأهمل ما كان يمكن أن يُتيحه تحسين العلاقات مع الاتحاد السوفييتي من تعقيدات لوجستية على خطة الانقلاب. وسمح للمتآمرين المعروفين، بمن فيهم الجنرال زاهدي، بالعمل من منازل آمنة تتبع المخابرات المركزية الأمريكية بدلاً من استخدام صلاحياته التنفيذية الموسّعة ضدهم. وحلّ البرلمان عبر استفتاء أخبره أقرب مستشاريه الدستوريين بأنه كارثي من الناحيتين القانونية والاستراتيجية. ويُنقل الكاتب كلام أحد حلفاء مصدق المقرّبين بأثر بالغ: “طريقك يؤدي إلى الجحيم، لكننا سنتبعك حتى أبواب الجحيم”.

فيما تتتبع فصول الحرب الباردة- بناء الدولة العميلة، والعصر الذهبي للعلاقات الثنائية في عهد نيكسون وكيسنجر- تحوّل إيران إلى ما لا يتردد أصغاري في تسميته مشروعاً إمبريالياً أمريكياً. بين 1950 و1967 قدّمت الولايات المتحدة لإيران ما يقارب ملياري دولار من المساعدات العسكرية والاقتصادية؛ وفي ذروة التحالف كان نحو خمسين ألف أمريكي يعيشون في إيران كموظفين في شركات أمريكية وأجهزة الجيش الإيراني المزوّد بالسلاح الأمريكي. كما يستند فصل الستينيات والسبعينيات إلى أبحاث أصغاري السابقة في تاريخ الحركة الطلابية الإيرانية في الخارج لكي يُبيّن التناقض الصارخ بين الحماس الأمريكي الرسمي للشاه وتنامي المعارضة في أوساط عشرات الآلاف من الطلاب الإيرانيين الدارسين في الولايات المتحدة. ففي سبعينيات القرن الماضي كان الإيرانيون أكبر تجمع طلابي أجنبي في أمريكا، وكانت حركتهم الطلابية، على حدّ وصف المؤلف، “أفضل حركة طلابية منفيّة تنظيماً وأشدّها فاعليةً في العالم”.

يحتل فصل الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن الموضع الأكثر طموحاً تحليلياً في الكتاب. يستند الباحث إلى قربه الشخصي من المرحلة الثورية دون أن يُحلّ التجربة الذاتية محل الحجة. وتوصيفه للجمهورية الإسلامية بأنها فاشية بنيوياً في مرحلة التوطيد المبكرة-بالاستناد إلى مقولات غرامشي- يبدو استفزازاً متعمداً لكنه مدعوماً بأدلة تقبل القياس. يحلل أصغاري أزمة الرهائن بوصفها أداةً في يد الخميني لإطلاق “ثورة ثانية”، يوظف فيها مشاعر معاداة الإمبريالية لتحييد اليسار وترسيخ الديكتاتورية الدينية وسحق كل معارضة. والثمن، كان ثماني سنوات من الحرب الكارثية مع العراق، والإبادة الفعلية لجيلين من اليساريين الإيرانيين، وما يقارب نصف قرن من العلاقات العدائية مع الولايات المتحدة التي أعانت على تعزيز تماسك النظام على حساب الشعب الإيراني. ومع ذلك لا يُبرّئ أصغاري السياسة الأمريكية- إذ إن حرب إيران والعراق أُطيلت بالتدخل الأمريكي تحديداً لاستنزاف المتحاربَين دون أن يُتاح لأيٍّ منهما النصر.

في القسم المخصص لقضية قسم إيران-كونترا يعالج الكتاب بالقدر المناسب من الريبة إزاء الرواية الرسمية للقضية. والأمر اللافت، الذي يُشدد عليه أصغاري، هو أن القضية أكّدت المبدأ الجوهري لتحليله، وهو أن الدولتين الأمريكية والإيرانية كانتا على استعداد للتعامل سراً رغم العداء العلني، متى توافقت مصالح بعينها. أما الحساب الاستراتيجي-المنسوب إلى كيسنجر والمُجسَّد بصراحة فجّة على ألسنة ضباط المخابرات المركزية- فكان ببساطة إبقاء الحرب مشتعلة، ومنع أيٍّ من الطرفين من الانتصار، واستنزاف الاقتصادين والشعبين في ما يصفه النص بنفور مناسب بالإفناء المتبادل لصالح المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

من صفقة أوباما إلى حملة ترامب

يمتد الفصل السادس، من صفقة أوباما النووية عبر حملة ترامب للضغط الأقصى وصولاً إلى المفاوضات الفاشلة في عهد بايدن، وهو بالضرورة أكثر إجمالاً- إذ إن الأحداث لا تزال حديثة لتتوافر لها العمق الأرشيفي الذي يُثري الفصول الأولى- لكنه يعرض الحجة المحورية للكتاب بقوة متجددة. وتُقرأ مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة وانهيارها في عهد ترامب كنتيجةً لنجاح اللوبي الإسرائيلي في مواءمة السياسة الأمريكية مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية بأساليب تجاوزت بشكل منهجي شهية شركات النفط الأمريكية للسوق الإيرانية وتفضيل الشعب الأمريكي للدبلوماسية على العقوبات. ويبدو تحليل دور لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية موثّق بعناية، ويتجنب النبرة المؤامراتية التي كثيراً ما تتورط فيها مثل هذه الحجج. فالادعاء ليس أن اللوبي الإسرائيلي يتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية، بل إنه في المسألة الإيرانية تحديداً انتصر مراراً في مواجهة اللوبي المشترك لكبرى شركات النفط ومقاولي الطيران والمصالح الزراعية، وهو إنجاز لافت يستحق التحليل الدقيق الذي يخصّه له متين أسكري. أما منظومة العقوبات التي تلت وتتطور مستمرة، فتُوصف لا بوصفها ضغطاً على النظام بل حرباً مديدة على الشعب الإيراني، تُثري الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري بينما تُفقر المواطنين العاديين الذين لا صوت لهم في البرنامج النووي ولا في تطوير الصواريخ الباليستية ولا في التدخلات العسكرية الإقليمية التي تُشكّل المبرر المُعلن للعقوبات.

في الخاتمة يستعرض أفشين متين أصغاري آفاقاً “أشد قتامةً من أي وقت مضى” للعلاقات الإيرانية الأمريكية، من خلال رفضه للتفاؤل الليبرالي الذي يطبع كثيراً من التاريخ الدبلوماسي. فقد غدت الجمهورية الإسلامية أكثر قمعاً بصورة عكسية مع اشتداد وطأة العقوبات، وهو ما يناقض تماماً النظرية التي بُنيت عليها. ولم تُغيّر حملة “الضغط الأقصى” سلوك النظام؛ بل عزّزت حجة المتشددين بأن أي مهادنة مع واشنطن تُفضي إلى الاختناق. حيث سُحقت الحركة الخضراء عام 2009، وسُحقت انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” 2022-2023 من جديد. لا يقدّم أصغاري حلاً للأحجية، فمنطق السياسة الإمبريالية الأمريكية تجاه إيران أخفق في كل معيار باستثناء ديمومة الشروط التي تُبرر استمراره.

ومع ذلك ثمة قيود حقيقية لا بد من الاعتراف بها. فالكتاب يعد في عنوانه الفرعي بـ”تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية”، غير أن “تاريخ الشعوب” الذي يُحدّده أصغاري نفسه بوصفه الغاية المنشودة- المبني من النصوص الأدبية وكتب الرحلات ودراسات النوع الاجتماعي وتاريخ الهجرة والأنثروبولوجيا الثقافية- يبقى أقرب إلى التطلع منه إلى الإنجاز. وهو يُقرّ بذلك في المقدمة، مُلاحظاً أن كتلة المصادر الجديدة لا تزال “أصغر من أن تُوازن الغلبة الساحقة للتاريخ الدبلوماسي والسياسي.” وما نحصل عليه في المحصلة هو تاريخ جيد جداً للعلاقات الإيرانية الأمريكية السياسية والدبلوماسية من منظور معادٍ للإمبريالية باتساق، مع بعض الغوص المُضيء في التاريخ الثقافي في الفصول الأولى. وتبقى شعوب البلدين- في لقاءاتها الحقيقية، وصداقاتها وعداواتها وهجراتها وعدم تفاهمها المتبادل- مخفيةً إلى حد بعيد. أما أبرز نقطة قوة فكرية في الكتاب، فهي – وللمفارقة – نفسها أبرز نقاط ضعفه. إذ يُطبَّق إطار “الأولويات الإمبريالية” بانتظام منهجي يُفضي أحياناً إلى تسطيح الأحداث في بنيات تجعل التاريخ يبدو أكثر حتمية مما كان عليه في الواقع. ألم تكن ثمة لحظات يمكن فيها أن تسير الأمور باتجاه مختلف فعلاً؟ إن الاحتمالات المضادة التي يستحضرها أصغاري أحياناً ثم يُقصيها جانباً تبدو أكثر إثارةً للاهتمام مما يوحي به رفضها. وروايته لمصدق تُظهر أن الفاعلية الإنسانية بما فيها من إخفاقات وسوء تقدير تُحدث فرقاً. لكن الإطار التحليلي الأشمل يعمل أحياناً ضد هذه الرؤية حين يُوحي بأن الأنظمة الإمبريالية تُفضي إلى نتائج إمبريالية بصرامة حتمية النظرية الرياضية.

Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.