Skip to main content Scroll Top

سياسة الميلودراما: الحياة الثقافية والسياسية لإحسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر

Jonathan Smolin,
The Politics of Melodrama: The Cultural and Political Lives of Ihsan Abdel Kouddous and Gamal Abdel Nasser
(Stanford University Press, 2024)

مقدمة كتاب “سياسة الميلودراما: الحياة الثقافية والسياسية لإحسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر” (دار نشر جامعة ستانفورد – 2024) للكاتب والمترجم جوناثان سمولين. وهو أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية دارتموث ومدير مبادرة دارتموث لتبادل الشرق الأوسط.

صباح الحادي والثلاثين من يوليو/جويلية عام 1954، استيقظ إحسان عبد القدوس، الذي يُعدّ ربما أشهر وأغزر كتّاب الرواية في العالم العربي خلال القرن العشرين، في الزنزانة رقم 19 بسجن القاهرة العسكري. كان قد اعتُقل قبل ثلاثة أشهر على يد الشرطة السرية، وقضى الأيام الخمسة والأربعين الأولى في الحبس الانفرادي، تلتها أسابيع من الاستجواب القاسي. بالنسبة لعبد القدوس، كانت تجربة مريرة، أشبه بالتعذيب النفسي، ومليئة بالإهانات والإساءة. وكما كتب بعد إطلاق سراحه بفترة وجيزة: “مرّت الأسابيع الأولى بعنف، كل دقيقة كانت تُثير أعصابي. كان جسدي كله يُمزّق ويُحرق بالنار”. عندما استيقظ ذلك الصباح، كان قد أمضى خمسة وتسعين يومًا في السجن. ولم يكن لديه أدنى فكرة متى، أو حتى إن كان، سينتهي عذابه.

حين  فتح الحارس بوابة الزنزانة صباح ذلك اليوم، استقبل عبد القدوس باحترام غير معهود بعد أسابيع من الإهانات. قال له الحارس مبتسمًا: “تهانينا سيدي، يريد المدير رؤيتك في مكتبه. سنفتقدك كثيرًا”. ثم اصطُحبه لمقابلة مدير السجن، الذي أبلغه بإطلاق سراحه. لم يُقدم المدير أي تفسير للقرار، كما لم يُبلغ عبد القدوس بسبب اعتقاله قبل ثلاثة أشهر. ولم يعلم إلا لاحقًا أنه اتُهم بالتآمر لقلب ثورة 23 يوليو 1952 التي أوصلت جمال عبد الناصر والضباط الأحرار إلى السلطة في مصر. عاد عبد القدوس سريعًا إلى زنزانته ليأخذ كوب السجن المعدني الذي كان يستخدمه خلال فترة سجنه كتذكار لتلك التجربة المؤلمة. ولا يزال الكوب، الذي نقش عليه لاحقًا اسم السجن ورقم زنزانته وتواريخ سجنه، معروضًا في منزل العائلة.

فور وصول عبد القدوس إلى شقته في حي غاردن سيتي بالقاهرة، رنّ الهاتف. ظنّ أنها والدته تتصل للترحيب به. وحين رفع السماعة سمع صوت جمال عبد الناصر. قال عبد ناصر ضاحكًا: “مرحبًا، هل تعلمت درسك يا إحسان؟ تعالَ لتناول الغداء معي ولا تتأخر، فأنا أنتظرك”. لم يُصدّق ما سمعه. فرغم أنه لم يرَ زوجته وطفليه الصغيرين لأكثر من ثلاثة أشهر، انطلق فورًا إلى منزل الرئيس. يتذكر عبد القدوس في عام 1975، بعد نحو عقدين من الزمن، عندما تحدث علنًا عن هذه الحادثة لأول مرة، فيقول: “وجدت نفسي مضطرًا لقبول الدعوة لسبب لا أفهمه تمامًا حتى الآن”.

تناول إحسان عبد القدوس الغداء مع عبد الناصر، وبعدها شاهدا معاً فيلمًا. تبادلا أطراف الحديث حول الفيلم ومواضيع أخرى خفيفة، لكنهما لم يتطرقا إلى سجنه أو إطلاق سراحه. استمر عبد الناصر في الإصرار على أن يأتي عبد القدوس إلى منزله يوميًا تقريبًا لتناول الطعام ومشاهدة فيلم. وخلال الزيارات، تحدثا عن أمور شتى، لكنهما تجنبا الحديث عن الاعتقال بحرج. بعد نحو شهر من هذه الدعوات القسرية، لم يعد عبد القدوس قادرًا على كبح حيرته وانزعاجه. فسأل الرئيس أخيرًا عن سبب إصراره على هذه الزيارات. فنظر إليه مباشرةً وقال: “أنا أقدم لك علاجًا نفسيًا يا إحسان!”. أصابت هذه الكلمات عبد القدوس بالرعب. ما الذي أدى إلى هذه اللحظة المشؤومة؟ ماذا كان يقصد عبد الناصر بذلك؟ ولماذا نصب نفسه محللًا نفسيًا وعبد القدوس مريضًا عنده؟ ما هو “مرض” عبد القدوس؟ وكيف أثرت “معاملة” الرئيس على عبد القدوس شخصياً، وكيف شكلت كتاباته الغزيرة والمتداولة بكثرة، سواء في ذلك الوقت أو في السنوات التي تلت هذا اللقاء؟ ما كان في السابق رابطة شخصية وثيقة بينهما – تلك التي تشكلت خلال انخراط عبد القدوس الوثيق بشكل مفاجئ مع الضباط الأحرار في الأشهر التي سبقت انقلاب 23 يوليو 1952، فضلاً عن مشاركته المحورية في ترسيخ الحكم العسكري دون قصد في الأشهر اللاحقة – أصبح الآن شيئاً أكثر تعقيداً وإثارة للقلق.

قصة حب مهجورة

ربما كان جمال عبد الناصر أهم شخصية سياسية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. نشأ في ظروف اجتماعية واقتصادية متواضعة، ثم انضم إلى الجيش المصري وشارك في حرب فلسطين عام 1948. في أعقاب تلك الهزيمة العسكرية الكارثية، أسس تنظيم الضباط الأحرار السري، جامعًا مجموعة من الشباب الذين استاؤوا من فساد وعدم كفاءة النخبة السياسية والعسكرية المصرية. وفي نهاية المطاف، نفذ الضباط الأحرار انقلابًا ناجحًا في 23 يوليو 1952 ضد النظام الملكي، منهين بذلك السلالة الحاكمة التي حكمت مصر لما يقرب من 150 عامًا. سارع عبد الناصر والضباط إلى اقتلاع النخبة القديمة التي كانت تُعتبر متواطئة مع القصر والسلطات الاستعمارية البريطانية. وبحلول ربيع عام 1955، وبعد أن وطّد سيطرته على النظام، بدأ صعوده الصاروخي على الساحة العالمية كرمز لمناهضة الإمبريالية. في عام 1956، أمّم قناة السويس، وصمد أمام الهجوم اللاحق من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، مرسخًا مكانته كشخصية عسكرية قوية جلبت الخلاص والكرامة واحترام الذات للعرب بعد عقود من الخضوع للإمبراطورية والإذلال. وبحلول عام 1957 نجح في توحيد مصر وسوريا رسميًا، مؤسسًا الجمهورية العربية المتحدة، في تجسيدٍ مذهل لآمال وأحلام القومية العربية. وبلغ تعلق الشعب العربي بعبد الناصر ذروته، حيث احتشدت جماهير غفيرة في الأماكن العامة للاستماع إليه، وتهافت الرجال على موكبه، محاولين لمسه، بل وتقبيله، ليصبح رمزًا للذات العربية الجديدة. على الرغم من أنه أقام دولة بوليسية متسلطة لقمع المعارضة، وأشرف على تفكك الجمهورية العربية المتحدة، والهزيمة الساحقة أمام إسرائيل في حرب 1967، والاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد نظامه في أواخر الستينيات، إلا أن عبد الناصر كان، ولا يزال، رمزاً يُقاس عليه جميع الحكام العرب.

وعلى الرغم من الكم الهائل من الدراسات حول جمال عبد الناصر، إلا أن قلةً داخل مصر وخارجها كانوا على دراية آنذاك – ولا يزالون على دراية حتى اليوم، بعلاقة عبد الناصر المتوترة والعميقة الأثر مع إحسان عبد القدوس، عملاق الأدب العربي والثقافة الشعبية. عندما التقى الاثنان عام 1950، لا بد أنهما أدركا سريعًا أوجه الشبه اللافتة بينهما. فقد وُلدا بفارق أقل من عام. درس كلاهما القانون في الجامعة وتزوجا في نفس العمر. هرب كلاهما بسبب معارضة عائلتيهما. وكان لكليهما طفلان صغيران آنذاك. كان كلاهما متحفظًا وخجولًا في تصرفاته، لكنهما كانا مدفوعين بشدة بقناعات سياسية. كانت المعاهدة الأنجلو-مصرية لعام 1936، التي منحت بريطانيا الحق في نشر عشرة آلاف جندي في قناة السويس، إلى جانب امتيازات أخرى، هي التي جعلت عبد القدوس وعبد الناصر مناهضين للاستعمار بشدة، وشكّلت وعيهما السياسي ودفعتهما للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية آنذاك. لم يكن كل منهما يشعر بالاشمئزاز من سيطرة البريطانيين فحسب، بل أيضًا من النظام الملكي المصري والنخبة المتعاونة معه. لقد أثّرت حادثة قصر عابدين في 4 فبراير 1942، حين حاصرت السلطات البريطانية قصر الملك فاروق بالدبابات وطالبت بتنصيب رئيس وزراء جديد، وهو ما قبله الملك الشاب سريعًا وبخضوع، في كليهما، بل وزادت من تطرفهما. وارتبط كل واحد منهما بالنقاش العام مع العديد من الجماعات السياسية خلال أربعينيات القرن العشرين، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، لكنهما سرعان ما خاب أملهما بها جميعًا. ثم أدى سقوط فلسطين عام 1948 إلى تصعيد نشاطهما السياسي بشكل كبير، إذ بدأ كل منهما بالتعاون مع أي جهة متاحة، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية، لإشعال ثورة في مصر، وإنهاء النظام الملكي، والقضاء على الاستعمار البريطاني. وكما سيذكر محمد حسنين هيكل، لاحقًا: “فلسطين هي التي حددت شخصية عبد الناصر”. ولا شك أن الأمر نفسه ينطبق على عبد القدوس حين التقيا عام 1950.

شكّلت أوجه التشابه اللافتة هذه أساس علاقتهما، التي بدأت في عام 1950 تقريبًا، عندما زار عبد الناصر وأعضاء آخرون من الضباط الأحرار السريين عبد القدوس لأول مرة في مكاتب مجلة “روز اليوسف” الأسبوعية . كان عبد القدوس يشغل منصب رئيس تحرير المجلة، التي ربما كانت أهم منشور سياسي وثقافي في مصر آنذاك. فقد كان معروفًا كصحفي استقصائي ومحرر يبحث بيأس عن فضائح ينشرها لإثارة الرأي العام وتحريضه على الثورة. وبفضل هذه اللقاءات، تمكّن عبد القدوس من كشف فضيحة “الأسلحة الفاسدة” سيئة السمعة عام 1950. وكيف سلّح القصر الجيش المصري في حرب فلسطين الكارثية عام 1948 ببنادق معيبة تطلق النار في الاتجاه المعاكس وقنابل يدوية تنفجر عند لمسها. في مقالاته النارية، استغل عبد القدوس وثائق سرية سربها إليه عبد الناصر والضباط الأحرار ليُظهر أن القصر اشترى هذه الأسلحة “الفاسدة” بأسعار باهظة، محققًا عمولات ضخمة مقابل إرسال جنود مصريين أبرياء إلى حتفهم في ساحات المعارك، وخسارة فلسطين. وبفضل عبد القدوس وشركائه السريين، سرعان ما تحولت هذه الفضيحة المروعة إلى موجة استياء واسعة النطاق من فساد وانحلال النظام الملكي والنخبة المتعاونة معه، مما هيأ الرأي العام في نهاية المطاف لتقبّل انقلاب الضباط الأحرار حال وقوعه.

كان عبد القدوس شريكًا متحمسًا في التحضير للانقلاب، لدرجة أن عبد الناصر اتصل به هاتفيًا في الساعات الأولى من العملية ليدعوه للمشاركة فيها مع بقية الضباط الأحرار، ليصبح عبد القدوس المدني الوحيد الذي فعل ذلك. شعر عبد القدوس بارتباط وثيق بعبد الناصر والضباط، لدرجة أنه كان يخشى أثناء الانقلاب أن يُشنق إذا فشل. علاوة على ذلك، في الأسابيع التي تلت 23 يوليو 1952، كان شديد الحماس في دعمه العلني للانقلاب، حتى أن أعضاء الحرس القديم ظنوا أنه المسؤول المدني للضباط الأحرار. خلال هذه الفترة، ألقى خطابات إذاعية حث فيها الجمهور على الثقة الكاملة بالضباط، ودعا مرارًا وتكرارًا في صحيفة روز اليوسف إلى تعليق الدستور وحل الأحزاب السياسية. وقد اتخذ هذه الخطوات لاعتقاده بأن الضباط مجرد أداة طيعة لتحقيق هدفه القديم المتمثل في استئصال ما اعتبره نظامًا سياسيًا فاسدًا، وزرع البذور اللازمة لعهد جديد من سيادة القانون والديمقراطية. لم تكن الديكتاتورية العسكرية، رغم المؤشرات التحذيرية الواضحة، مصدر قلق له. وكما صرّح عبد القدوس بثقة تامة في مقالاته آنذاك، فإن الضباط سينسحبون حالما يُتمّون “تطهير” ما اعتبره أرضًا سياسية فاسدة.

في صيف وخريف عام 1952، بدا عبد القدوس واثقًا من أنه سيواصل توجيه عبد الناصر، شريكه الوسيم الخجول، لتحقيق أهدافه السياسية، كما فعل في العامين السابقين للانقلاب بينما كان يُؤجّج فضيحة الأسلحة الفاسدة في الصحافة. مع ذلك، في الأسابيع التي تلت الانقلاب، اكتشف أن عبد الناصر لم يعد الرجل الذي ظنّه. ناصر الهادئ، والذي اعتقد عبد القدوس أنه كان يُسيطر عليه قبل الانقلاب، أصبح الآن يُهمّشه بشدة، ويتخذ خطوات متزايدة لإقامة دكتاتورية عسكرية في البلاد. وعندما بدأ عبد القدوس بالتمرد على، سواء في الخفاء أو علنًا في مقالاته الافتتاحية في صحيفة روز اليوسف ، كان الأوان قد فات. بحلول ربيع عام 1954، لم يكتفِ عبد الناصر بمحو شريكه السابق المتمرد عبد القدوس من السجلات الرسمية للثورة، بل سجنه أيضاً في ظروف قاسية لمدة ثلاثة أشهر ليتأكد من أنه فهم من يملك زمام الأمور. ولم يكشف عبد القدوس عن “تحليله” الذي أدلى به لعبد الناصر، أو عن تفاصيل أخرى بالغة الأهمية حول علاقتهما، إلا بعد عشرين عاماً، أي بعد وفاة الرئيس بفترة طويلة.

رغم أن قصة العلاقات الشخصية والسياسية الوثيقة بين عبد القدوس وعبد الناصر لا تزال مجهولة إلى حد كبير، إلا أن ملامح علاقتهما قد تكون مألوفة. لم يكن عبد القدوس الشخصية الفكرية أو السياسية الوحيدة قبل الانقلاب التي أسقطت تطلعاتها وأوهامها عن مصر جديدة على عبد الناصر. كما لم يكن الوحيد الذي شعر برغبة جامحة في مصر الجديدة في أعقاب الانقلاب، ثم صُدم واستاء من فرض الديكتاتورية العسكرية. فقد كان أحمد أبو الفتح، رئيس تحرير صحيفة المصري اليومية المؤثرة، من المقربين لعبد الناصر في السنوات التي سبقت الانقلاب. ومثل عبد القدوس، نشر أبو الفتح مقالات قبيل الانقلاب هاجم فيها الاستعمار ودعا إلى الثورة. وفي الأسابيع التي تلت 23 يوليو 1952، ظهر أبو الفتح أيضًا على الراديو ونشر مقالات يحث فيها الجمهور على دعم الضباط على افتراض أنهم يُرسّخون الديمقراطية في مصر. ومع ذلك، سرعان ما اكتشف أن عبد الناصر لم يعد ذلك الرجل الذي عرفه قبل الانقلاب. على عكس عبد القدوس، تجنّب عبد الفتح سنوات من الإذلال (والسجن بالتأكيد) بالفرار من مصر إلى باريس، حيث كتب أول كتاب يكشف فيه أسرار عبد الناصر، معترفًا بندمه الشديد على دوره في وصوله إلى السلطة. وقال بشعورٍ عظيمٍ بالذنب: “لقد فعلت كل ما بوسعي لدفعه إلى التخلي عن فكرة الديكتاتورية لصالح الديمقراطية”.

اعتقد حسن الهضيبي، المرشد الأعلى لجماعة الإخوان المسلمين من عام 1951 حتى عام 1973، وسيد قطب، أبرز مفكري الجماعة خلال عهد جمال عبد الناصر، أن عبد الناصر قد بايع الجماعة قبل الانقلاب. ولذلك، أعلن كلاهما دعمهما له وللثورة حتى خريف عام 1952، واثقين – مثل عبد القدوس-  من قدرتهما على توجيهه لتطبيق رؤيتهما لمصر الجديدة القائمة على فكر الجماعة. وقد كتب قطب، على وجه الخصوص، عددًا من المقالات في صحيفة “روز اليوسف” يدعو فيها بشدة إلى دعم الانقلاب والضباط. لكن ثقتهما بعبد الناصر وقدرتهما على دفعه لتنفيذ برنامجهما السياسي حال وصوله إلى السلطة أثبتت خطأهما الفادح. فلم يكتفِ عبد الناصر بتدمير جماعة الإخوان المسلمين بعد محاولة اغتياله في أكتوبر 1954، بل أصبح قطب في نهاية المطاف أحد المعارضين السياسيين القلائل الذين أعدمهم.

كان توفيق الحكيم، رائد المسرح العربي الحديث والمفكر البارز قبل الانقلاب وبعده، يعتقد أن روايته “عودة الروح” الصادرة عام 1933، قد رسّخت صورة جمال عبد الناصر كبطلٍ جلب الحرية والاستقلال لمصر عبر الثورة. ورأى الحكيم في عبد الناصر بعد الانقلاب تجسيدًا ليس فقط لشخصية محسن، بطل روايته، بل أيضًا لرؤيته الخاصة لمصر الديمقراطية الجديدة. ولهذا السبب، ادّعى الحكيم لاحقًا: “أنا نبيّ وداعي الثورة المباركة”. ولم يكن لدى الحكيم أدنى شك في أن عبد الناصر قدّر جهوده حق قدرها. فبحسب الحكيم، اعترف الرئيس بأن “الثورة هي ثورته في الحقيقة”. وعلى عكس عبد القدوس، التزم الحكيم الصمت التام تقريبًا حيال إقامة الديكتاتورية في عهد عبد الناصر. ومع ذلك، وبعد نحو أربع سنوات من وفاته، نشر كتابًا مثيرًا للجدل أعلن فيه ذنبه وندمه وتواطؤه في فرض الاستبداد وعبادة شخصية عبد الناصر.

حتى جيفرسون كافري، سفير الولايات المتحدة لدى مصر من عام 1949 إلى 1955، كانت تربطه علاقة مماثلة مع جمال عبد الناصر. فقد التقى كافري بعبد الناصر والضباط الأحرار قبل الانقلاب كجزء من الخطة الأمريكية لـ”مشروع ثورة سلمية في مصر”. وفي صباح يوم الانقلاب، أرسل عبد الناصر رسالة إلى كافري يُعلمه فيها بالانقلاب في محاولة لتجنب التدخل الأمريكي أو البريطاني. وبينما لا تزال تفاصيل علاقة الضباط بكافري غامضة، نعلم أنهم تناولوا العشاء معًا في 20 أغسطس 1952 ضمن مشاورات جارية حول الشؤون الخارجية. وفي الأسابيع التي تلت الانقلاب، تفاخر كافري أمام الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين بنفوذه على الضباط، واصفًا إياهم بفخر بـ”أولادي”. وكما هو الحال مع عبد القدوس وأبو الفتح والهضيبي وقطب والحكيم وغيرهم، سرعان ما تبددت ثقة كافري الساذجة. فقد انتهت علاقته مع عبد الناصر بعد الانقلاب بفترة وجيزة.

إرث إحسان عبد القدوس

ما يميز إحسان عبد القدوس عن غيره من الشخصيات ليس علاقته الشخصية الوثيقة مع عبد الناصر قبل الثورة، ولا ثقته المفرطة بقدرته على توجيهه والسيطرة عليه بعد وصوله إلى السلطة، ولا حتى شعوره اللاحق بالفزع لأنه ساهم دون قصد في تحويل مصر إلى دكتاتورية عسكرية. بل إن عبد القدوس ربما كان الكاتب الأكثر شعبية وإنتاجًا في العالم العربي خلال القرن العشرين. في صيف عام 1954، حين كان يتناول غداءه مع عبد الناصر، تصدّر عبد القدوس قائمة أشهر الكتّاب في مصر وفقًا لاستطلاع أجرته الجامعة الأمريكية بالقاهرة. فقد بدأ بنشر قصص قصيرة في الصحافة أواخر الثلاثينيات، وبحلول الأربعينيات، حظي بشعبية واسعة بين القراء الذين عشقوا مزيجه الفريد من اللغة البسيطة والواضحة، والدراما الرومانسية، والإثارة الجنسية. اشتهر عبد القدوس بكتاباته عن الجنس والحب والهوس الرومانسي، مستخدمًا في الغالب سردًا من منظور شخصي لشابات يكتشفن أنوثتهن ويبحثن عن الحب – أو الرغبة الجسدية – في مواجهة التقاليد الاجتماعية القمعية. وبسبب كسره المتكرر للمحرمات المتعلقة بالجنس، كان لأعماله الروائية أثر عميق على أجيال من النساء، اللواتي تعاطفن مع الصراعات العاطفية والاجتماعية لبطلاته. وبهذا، ساهم عبد القدوس في تشكيل المخيلة الميلودرامية لدى النساء – وكذلك الرجال – ليس فقط في مصر، بل في جميع أنحاء العالم العربي. وبفضل أسلوبه ومضمونه، لاقت أعماله الروائية رواجًا واسعًا لدى جمهور أكبر بكثير طوال مسيرته الأدبية مقارنةً بنجوم الأدب الرفيع في ذلك الوقت، مثل نجيب محفوظ أو طه حسين. ويُذكر اليوم على نطاق واسع ليس بسبب آرائه السياسية أو علاقته بثورة 23 يوليو 1952، بل بسبب الأثر الاجتماعي والثقافي لأعماله الميلودرامية الرومانسية المثيرة.

انتشرت أعمال عبد القدوس الروائية على نطاق أوسع بكثير من أي كاتب عربي آخر. فقد نُشرت جميع أعماله مسلسلةً في أشهر المجلات الأسبوعية في البلاد، قبل أن تُجمع في كتب وتُعاد طباعتها في عشرات الطبعات من قِبل دور نشر متعددة على مدى عقود. علاوة على ذلك، اقتُبست روايات عبد القدوس وقصصه القصيرة في بعض أهم وأشهر الأفلام في تاريخ السينما العربية، مثل ” الرصاصة لا تزال في جيـبي” و”في بيتنا رجل” و”أبي فوق الشجرة”، وغيرها الكثير. على الرغم من ذلك، فقد تم تجاهل إحسان عبد القدوس بشكل شبه كامل من قبل النقاد والأكاديميين، سواء في مصر أو خارجها. وحتى الآن، لا يوجد كتاب واحد بأي لغة يركز على أعماله الروائية أو دوره المحوري في إنتاج ونشر الثقافة الشعبية العربية في القرن العشرين، ناهيك عن الجوانب السياسية لعلاقته الشائكة وغير المعروفة على نطاق واسع مع جمال عبد الناصر. وعلى الرغم من مبيعاته وشعبيته غير المسبوقة، لم يتمكن قراء اللغة الإنجليزية من اكتشاف هذه الشخصية البارزة في الأدب العربي إلا في أواخر عام 2021، عندما نُشرت ترجمتي لرواية عبد القدوس الكلاسيكية “لا أنام”.

هناك أسباب عديدة لهذا الإهمال. فكما اكتسب عبد القدوس شهرةً واسعةً بفضل رواياته المثيرة للجدل في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وصفه الناقد والكاتب المعروف عباس محمود العقاد بـ”كاتب الفراش”، معتبرًا إياه كاتبًا مبتذلًا يركز على الإثارة الجنسية بدلًا من القضايا الأدبية الجادة. وقد لازم هذا اللقب عبد القدوس طوال مسيرته الأدبية. ورغم أنه ساهم بلا شك في زيادة مبيعاته وانتشار أعماله في وسائل الإعلام الأخرى، إلا أنه أثار حفيظة “المجتمع المحترم” ضده. فقد كان تسليط الضوء على الرغبة الجنسية، وخاصةً لدى بطلات الروايات الشابات، أمرًا مغريًا ومقلقًا في آنٍ واحدٍ لشرائح واسعة من المجتمع المصري في الخمسينيات والستينيات. وكانت مجلة “روز اليوسف” ، التي نُشرت فيها معظم رواياته مسلسلة، تنشر بانتظام رسائل استنكارٍ لما اعتبرته من انحرافٍ أخلاقي في رواياته. على الرغم من شعبيته الجارفة، ذكر عبد القدوس لاحقًا أنه خلال تلك الفترة، كان الناس غالبًا ما يتكتمون على قراءة أعماله خوفًا من ربطهم بأخلاق مشكوك فيها. لم يكن الشباب – والنساء على وجه الخصوص – يرغبون في أن يضبطهم آباؤهم أو أزواجهم وهم يقرؤون رواياته. وبالطبع، ربما كان لدى هؤلاء الآباء أو الأزواج أنفسهم نسخهم الخاصة من روايات عبد القدوس، والتي كانوا يقرؤونها خلسةً.

إلى جانب استياء بعض العامة من تصويره للجنسانية في كتاباته، رفض النقاد عبد القدوس لأنه كان يُصوّر أعماله عادةً في بيئة برجوازية. ومن المفارقات أن عبد القدوس كتب مقالات افتتاحية لاذعة، خاصةً قبل عام 1954، هاجم فيها الأثرياء وداعميهم السياسيين في مصر باعتبارهم عملاء للاستعمار والرجعية. وقد مثّلت رواياته قبل الانقلاب، التي كانت تُصوّر في الغالب تجاوزات الطبقة الحاكمة، وسيلةً لإثارة الغضب ضد النخبة. وكما أوضح في سلسلة من المقابلات الاستعادية عام 1980، “كان دافعي الوحيد قبل الثورة هو فضح هذه الطبقة حتى تدور عجلة الثورة الشعبية وحتى تصل إلى ما كنا نسعى إليه  وهو الإطاحة بالنظام”. بعد انقلاب عام 1952، ساهم الغضب الشعبي من عدم المساواة في توجيه سياسات الضباط الأحرار، بما في ذلك برنامج إصلاح الأراضي وإلغاء الألقاب المدنية، والتي سعت إلى اقتلاع سلطة وامتيازات النخبة القديمة. خلال عهد جمال عبد الناصر، ولا سيما بعد أواخر الخمسينيات، انطلقت “الثورة الاشتراكية”، مستهدفةً بشكل أكبر أثرياء الحقبة السابقة، بما في ذلك تأميم الشركات الخاصة ومصادرة الأراضي والأصول. وفي سياق بناء هذا المجتمع الجديد، كان يُتوقع من الأدب الروائي – شأنه شأن الإعلام – أن يحذو حذوه ويؤدي دورًا سياسيًا واجتماعيًا، ليس فقط بدعم الثورة، بل أيضًا بالمساهمة في صياغة رسالتها. ومع ذلك، فإن معظم أعمال عبد القدوس الرئيسية خلال الخمسينيات والستينيات تدور في سياق برجوازي، وتركز على القلق العاطفي للأثرياء، رافضةً بشكل شبه كامل القيام بأي دور في “تثقيف” الجمهور حول الفكر الناصري. ورغم أنه من الواضح أن عبد القدوس لم يكن يُشيد بالأثرياء في رواياته – وليست كل شخصياته برجوازيين – إلا أن النقاد تجاهلوه جزئيًا بسبب الاعتقاد السائد بأنه كان يركز باستمرار على حياة أثرياء الحقبة السابقة، وليس على تطلعات وإنجازات مصر الجديدة.

ولعلّ السبب الأهم وراء الرفض النقدي شبه التام لعبد القدوس ككاتب روائي هو أسلوبه. فعلى عكس نجيب محفوظ، استخدم عبد القدوس مفردات بسيطة وبنية جملة سهلة، ما جذب شريحة واسعة من القراء، ولا سيما الشباب، لكنه لم يلقَ استحسان النقاد الأدبيين. فمنذ عام 1943، كان عبد القدوس يدعو إلى تبسيط اللغة العربية لتكون وسيلة لا تقتصر على بناء قاعدة جماهيرية واسعة للصحافة، بل تمتد لتلامس مشاعر عامة المصريين. وقد طوّر أسلوبه متأثرًا بمحمد التابعي، أول رئيس تحرير لمجلة روز اليوسف، الذي ساهم في انتشارها باستخدام لغة بسيطة وجذابة. طوال مسيرته المهنية، في كلٍ من الصحافة والأدب، سعى عبد القدوس إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على اللغة العربية، ناقلاً إياها من لغة النخبة إلى لغة عامة الناس، ساخراً أحياناً من المفردات والتركيبات المعقدة لكتاب مثل “عميد الأدب العربي” طه حسين ونجيب محفوظ، على الرغم من صداقتهما الوثيقة. وبالنظر إلى الأمر من منظور النهضة – وهي النهضة العربية في القرن التاسع عشر التي تبلورت من خلال تبسيط اللغة العربية الفصحى للصحافة الناشئة حديثاً – كان الأدب الروائي بالنسبة لعبد القدوس أداةً جزئيةً لجذب القراء، الذين قد لا يهتمون بالسياسة لولا ذلك، إلى العدد التالي من مجلته، حيث قد يصادفون أحدث النقاشات السياسية اليومية أثناء تصفحهم الصفحات بحثاً عن الجزء التالي المثير من قصصه الروائية .

لم يكن تركيز عبد القدوس على اللغة العربية المبسطة المثيرة وزيادة مشاركة الجمهور في الصحافة مجرد نتاج لأيديولوجية معينة. فبينما يسهل التغاضي الآن عن وجود مكتبته الضخمة في شكل كتب نُشرت في طبعات عديدة على مر السنين، فإن جميع كتاباته – السياسية منها والخيالية – نُشرت أولاً في المجلات الأكثر انتشارًا في مصر. وكانت روايات عبد القدوس تُنشر مسلسلة أسبوعيًا لفترات طويلة، أحيانًا لأكثر من عام. وقد لعبت ضغوط ومتطلبات النشر المسلسل – بيع المجلات، والحفاظ على عودة القراء أسبوعًا بعد أسبوع للجزء التالي – دورًا حاسمًا في تشكيل محتوى وأسلوب عبد القدوس. كل جزء أسبوعي، والذي نُشر لاحقًا كفصل في كتاب، يتضمن عادةً عنصرًا مثيرًا وينتهي بنهاية مفتوحة. كان عبد القدوس مدركًا تمامًا لأهمية المبيعات، إذ كانت مجلاته، على الأقل قبل تأميم الصحافة عام 1960، تعتمد بشكل شبه كامل على التوزيع، لا على عائدات الإعلانات، للبقاء. في حين أن نثره الواضح والموجز والبسيط ومحتواه المثير كان مرتبطًا بشكل مباشر بالمخاوف الأيديولوجية والتجارية الملحة، إلا أن هذا لم يؤد إلا إلى تعزيز تصور النقاد بأن أعماله كانت شعبية ولكنها مبتذلة، وبالتأكيد ليست نصوصًا جديرة بالاهتمام الأدبي الجاد.

ومن الأسباب الرئيسية الأخرى لعدم أخذ عبد القدوس على محمل الجد ككاتب روائي، كونه كان من أهم الصحفيين السياسيين وأكثرهم نفوذاً في العالم العربي، لا سيما خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. فقد دعا مراراً وتكراراً إلى الثورة في الصحافة قبل الانقلاب، مستخدماً عبارات حادة. وكان غزير الإنتاج بشكل خاص بعد الانقلاب، أكثر بكثير من زميله أحمد أبو الفتح، حيث كان ينشر عادةً مقالاً سياسياً أو ثقافياً أسبوعياً، وغالباً ما كان ينشر مقالين أو ثلاثة، في مجموعة واسعة من المجلات والصحف حتى تقاعده في ثمانينيات القرن العشرين. كما شغل منصب رئيس تحرير أو رئيس مجلس إدارة بعض أهم المطبوعات في مصر، مثل روز اليوسف وصباح الخير وأخبار اليوم والأهرام، الجريدة اليومية الرسمية للدولة. وعلى الرغم من إمكانية انتشار أعماله الروائية على نطاق واسع، إلا أنها لم تُقرأ قط كأعمال سياسية. لا شك أن أسلوبه المثير، والدراما الرومانسية، ولغته السينمائية البسيطة، ومبيعاته الهائلة ساهمت في هذا التصور، وكذلك رفض النقاد التام له.

ومع ذلك، ثمة سببٌ آخر مهمٌّ لعدم فهم الجمهور للجانب السياسي من رواياته. فكما أوضحتُ في الفصل الثاني، احتضن عبد الناصر والضباط الأحرار شريكهم عبد القدوس خلال الانقلاب وفي الأسابيع التي تلته، ولكن بحلول أواخر خريف عام 1952، بدأوا ينأون بأنفسهم عنه. وكلما ازداد احتجاج عبد القدوس على تضاؤل نفوذه على ناصر ومسار الثورة، سواءً في صفحات صحيفة روز اليوسف أو في جلساتهم الخاصة، كلما تسارعت وتيرة فقدانه للمكانة. وبحلول صيف عام 1953، عندما شرع الضباط في إنتاج ونشر الروايات الرسمية للذكرى السنوية الأولى للثورة، كان هناك قرارٌ مُتعمَّدٌ بمحو عبد القدوس المُتمرد من الرواية. فلم تعد فضيحة الأسلحة الفاسدة تُذكر كدافعٍ رئيسيٍّ للانقلاب. ولم يعد يُعترف بعبد القدوس حتى كشريكٍ في الثورة، أو مُشاركٍ في الانقلاب، أو صديقٍ لعبد الناصر. سرعان ما تحوّل عبد القدوس من النظر إليه على نطاق واسع باعتباره المسؤول المدني للضباط الأحرار – وهو شخص خاطر بحياته للمشاركة في الانقلاب ثم عمل بلا كلل لترسيخ حكم الضباط – إلى مجرد صحفي وكاتب روايات رومانسية ميلودرامية حققت أعلى المبيعات، دون أي صلة تُذكر بجمال عبد الناصر. وبحلول صيف عام 1954، وبعد إطلاق سراحه من السجن، توقف تمامًا عن كتابة المقالات الافتتاحية الاستفزازية أو ادعاء مشاركته المباشرة في الثورة، وحوّل اهتمامه بدلًا من ذلك إلى كتابة الروايات، موحيًا بأنه ينسحب من السياسة هربًا إلى التسلية الشعبية من خلال قصص مثيرة. وبدءًا من خريف عام 1954، بدأ بنشر رواية واحدة على الأقل، بالإضافة إلى عشرات القصص القصيرة سنويًا على مدى العقد التالي، مما رسّخ مكانته كعملاق في عالم الرواية الشعبية كما يُعرف اليوم. ولذلك، ساهم تهميشه المبكر من تاريخ الثورة في ترسيخ فكرة لدى كل من الجمهور والنقاد بأن رواياته غير سياسية، وهي وجهة نظر لا تزال سائدة حتى يومنا هذا.

هذا الافتراض حول أعماله شائع بقدر ما هو مُضلل. فهو يفترض عدم وجود أي تداخل بين مسيرته كصحفي سياسي معارض ومسيرته كروائي. ويفترض أن عبد القدوس توقف ببساطة عن الانخراط في السياسة عندما اتجه إلى كتابة الروايات. ويفترض أن رواياته لم تكن سوى تسلية مثيرة للشهوة له وللجمهور، وهو تصور عززه نجاحه التجاري والشعبي غير المسبوق. مع أن عبد القدوس لم يتطرق عادةً إلى هذا الأمر في المقابلات – ويرجع ذلك في الغالب إلى ندرة سؤاله عنه – إلا أنه ألمح لاحقًا في مسيرته إلى أن أعماله كانت بالفعل ذات طابع سياسي قوي. في مقابلة استعادية عام 1968، أوضح عبد القدوس قائلاً: “هناك شيءٌ فيّ لا ينبغي نسيانه. لطالما عشتُ مناضلاً في جو سياسي متوتر، ولعبتُ دورًا فيه. الرواية إحدى أسلحتي. كيف لي أن أتجنب السياسة فيها؟” وفي سلسلة أخرى من المقابلات نُشرت عام 1972، قال: “تدور جميع روايات الحب حول المجتمع السياسي، إذ لا يستطيع الكاتب التخلص من أفكاره السياسية”. على الرغم مما سأبينه من الروابط الوثيقة بين السياسة والخيال في كتاباته، لم يربط الجمهور ولا النقاد بين هذين المجالين في أعماله. وهذه قراءة خاطئة لعبد القدوس ورواياته، سأوضح في هذا الكتاب أنها أدت إلى سوء فهم ليس فقط لكتاباته، بل أيضًا لسياسة الرواية والإعلام الجماهيري والثقافة الشعبية خلال عهد عبد الناصر.

الأرشيف

يُعدّ هذا الكتاب الأول من نوعه، بأي لغة، الذي يُولي اهتمامًا جادًا لإحسان عبد القدوس، عملاق الثقافة الشعبية العربية في القرن العشرين. كما أنه الأول الذي يستكشف تأثير السياسة وتداعياتها على أعماله الروائية. إنّ القراءة الجديدة التي سأقدمها في هذا الكتاب لأعمال عبد القدوس لم تكن لتتحقق لولا الحرص الشديد على وضع قصصه ومقالاته في سياق نشرها الأصلي في الصحافة، لا كما جُمعت في كتب. فكل ما كتبه عبد القدوس، بما في ذلك قصصه، كان يُنجز تحت ضغط المواعيد النهائية. فعلى عكس نجيب محفوظ، الذي كان يُنهي رواياته قبل نشرها مسلسلة، كان عبد القدوس يكتب فصولًا من قصصه أسبوعًا بعد أسبوع، مُنهيًا كل جزء قبل أيام قليلة من صدور المجلة. وكما أوضح ذات مرة (وكما أكد آخرون من المقربين منه)، كان يكتب قصصه في وقت متأخر من ليلة الجمعة بعد الانتهاء من جميع أعماله الأخرى المتعلقة بإصدار ذلك الأسبوع، مُسرعًا لتلبية الموعد النهائي للطباعة صباح السبت الباكر. على الرغم من أنه كان يعمل انطلاقًا من مخطط أساسي، إلا أنه كان يكتب دون مراجعة، باستثناء تصحيح مسودات الصفحات. وهذا يفسر عدم وجود مسودات باقية من أعماله الضخمة. فكتابة كل جزء قبل الموعد النهائي للنشر مباشرةً تعني أنه كان يُبلور قصصه قبل أيام فقط من ظهور كل فصل. ورغم أن أسلوبه في الكتابة ربما أدى أحيانًا إلى أعمال أقل صقلًا، فضلًا عن تكرار السرد وتحولات سريعة في الحبكة، وهي سمات أخرى أدت إلى رفض النقاد له، إلا أنه يوفر منظورًا قيّمًا لقراءة أعماله الروائية. فهو يقدم إطارًا جديدًا لتحليل كيفية وجود جزء معين من القصة في حوار ليس فقط مع المواد الأخرى المنشورة في العدد نفسه من المجلة، بما في ذلك مقالاته الافتتاحية، بل أيضًا مع تطورات علاقته الشخصية المتوترة للغاية بالثورة بشكل عام وعبد الناصر بشكل خاص. إن تحليل أعماله الروائية، لا بوصفها كتبًا منشورة، بل بوصفها أعمالًا متسلسلة حديثة النشر، ووضعها في سياقها المباشر، يتيح فرصًا جديدة بالغة الأهمية لقراءة أدب الإثارة الشعبية، بكل ما فيه من تجاوزات وما يرتبط بها من انتقادات من النقاد الأدبيين، باعتباره نافذة على سياسات الثقافة الشعبية. ومن خلال هذه الطريقة، أبين كيف يمكن قراءة كتابات إحسان عبد القدوس ليس فقط بوصفها ميلودراما رومانسية وإثارة جنسية جريئة، كما هو شائع اليوم، بل بوصفها أيضًا تصويرًا لأعمال مقاومة صادمة، تتجلى فيها مرارًا وتكرارًا مشاعر الندم والقلق واليأس التي انتابت عبد القدوس حيال مسار ثورة 1952.

كما فعلتُ في كتابي “الرواية المغربية السوداء: الشرطة والجريمة والسياسة في الثقافة الشعبية “، فقد نسجتُ سرد كل فصل من فصول هذا الكتاب من خلال دمج تفاصيل استُقيت من أرشيف ضخم يضم مصادر متنوعة. يتألف أرشيف عبد القدوس هذا، الذي استغرق مني سنوات في تجميعه، والذي كان ثمرة مساعدة العديد من الأشخاص الكرام ومصادر التمويل السخية، من آلاف المجلات وعشرات المصادر السمعية والبصرية المنشورة على مدى أربعة عقود تقريبًا. ويشمل جميع أعماله الروائية؛ وآلاف المقالات الافتتاحية والتعليقات الثقافية؛ وعشرات الاقتباسات من أعماله في السينما والتلفزيون والإذاعة؛ والعديد من المقابلات مع المؤلف. كما تمكنتُ من الوصول إلى رسائل عبد القدوس الشخصية وملاحظاته ووثائقه الأخرى المتبقية، بفضل المساعدة السخية من عائلته. وقد ساعدت عائلته أيضًا في تأكيد عدد من التفاصيل المهمة حول حياته. كما تحدثت حنان الشيخ، المؤلفة الشهيرة لرواية “حكاية زهرة”، والتي كانت تربطها علاقة عاطفية مع عبد القدوس من عام 1963 إلى عام 1965، معي بسخاء وبإسهاب، وقدمت لي معلومات أساسية بالغة الأهمية ما كنت لأتمكن من اكتشافها لولا ذلك.

على الرغم من ضخامة هذا الأرشيف، من المهم التأكيد منذ البداية على وجود ثغرات. فللأسف، رحل معظم أصدقاء عبد القدوس المقربين وزملائه، تاركين فراغات كبيرة أمام قدرة الباحث على إعادة بناء ما جرى خلف الكواليس في لحظات مفصلية من حياته. أما بالنسبة لكتاباته، فقد كتب عبد القدوس آلاف المقالات والقصص القصيرة وأجزاء من روايات، لكنها نُشرت جميعها تقريبًا تحت وطأة الرقابة الحكومية التي قيّدت بشدة قدرته على الكتابة بحرية ووضوح. علاوة على ذلك، لم يبقَ شيء ذو حساسية خاصة في أوراقه الشخصية، بما في ذلك معلومات عن أصعب مراحل مسيرته المهنية، وكأن عبد القدوس كان حريصًا على عدم ترك أي مواد قد تدينه. كما لا يوجد أي سجل مكتوب باقٍ لمطالبات رسمية بحذف أعماله الروائية أو مقالاته الافتتاحية، مع أننا نعلم بوجود العديد منها. ونعلم أن عبد الناصر عبّر عن غضبه من عبد القدوس وتدخل في عمله مرات عديدة، لكنه، على حد علمنا، لم يفعل ذلك كتابةً قط. في البداية، التقى عبد الناصر بعبد القدوس شخصيًا للمطالبة بالتغييرات. ولما تدهورت علاقتهما الشخصية، أرسل له وسطاءً مثل أنور السادات، العضو المؤسس لجماعة الضباط الأحرار والرئيس المستقبلي لمصر، والصحفي محمد حسنين هيكل لنقل استيائه. مرارًا وتكرارًا، تُلمّح الوثائق إلى لحظاتٍ مثيرةٍ من التدخل والصراع خلف الكواليس دون توضيحها بشكلٍ جليّ، وهي أصداءٌ أستكشفها في هذا الكتاب. على الرغم من وجود ثغراتٍ واضحة، إلا أن الوثائق كاملةٌ بلا شك بما يكفي لأُظهر لأول مرة تأثير البُعد السياسي على أعمال عبد القدوس الروائية. إن دلالات هذه القراءة الجديدة جوهرية.

تمثيل ميلاد الديكتاتورية العربية

أولًا، تُغيّر هذه القراءة الجديدة لعبد القدوس فهمنا للأدب الروائي خلال فترة نشأة الديكتاتورية العربية. فقد ساد اعتقاد خاطئ مفاده أنه لم يكن هناك أي معارضة تُذكر ضد عبد الناصر في الصحافة، لا سيما خلال العقد الأول بعد وصوله إلى السلطة. فعلى سبيل المثال، بعد وفاة عبد الناصر، صوّر توفيق الحكيم البلادَ تصويرًا شهيرًا بأنها مسحورة بصفات الرئيس الخلاصية وعاجزة عن انتقاده. “لو تجرأ أحدهم على مهاجمة رأي عبد الناصر، كيف كان سينشر هذا الرأي المخالف؟ في أي صحيفة؟ وفي أي مكان؟ لم تكن رقابة الصحافة والإذاعة، والشرطة السرية، وغيرها من أجهزة النظام المطلق المغلق، لتسمح بظهور أي معارضة، بل حتى مجرد معرفة وجود رأي مخالف أو صاحبه.” وقد ردد السادات، في سيرته الذاتية عام 1977، وجهة نظر مماثلة، إذ قال: “لم يكن بوسع أحد أن يقول ما يبدو أنه يتعارض مع الفكر الرسمي (وكانت العقوبة الاعتقال وفقدان الرزق). وتزايدت سلبية الناس يومًا بعد يوم حتى لم يعد أي إنسان يشعر بالأمان إلا إذا انعزل تمامًا، وقطع صلته بالأحداث العامة وبمجريات الحياة من حوله، وكأنه لا يريد أن يرى شيئًا، ولا يسمع شيئًا، ولا يقول شيئًا”. ويفترض كثيرون، بمن فيهم الأكاديميون، أنه لم يكن هناك معارضة تُذكر لعبد الناصر في الأدب والثقافة الشعبية، لا سيما في أوج شعبيته وسلطته في خمسينيات وأوائل ستينيات القرن العشرين. ومع ذلك، وكما سأبين في هذا الكتاب، فقد نسج عبد القدوس الميلودراما الرومانسية ليس فقط لكسر المحرمات الجندرية وزيادة مبيعات المجلات. كما استخدمها مراراً وتكراراً كرمز واستعارة لتأطير علاقته السياسية الفاشلة مع عبد الناصر، وللاحتجاج على الطاغية الذي يحكم مصر حالياً، وللتعبير عن قلقه وندمه ويأسه مما شعر أنه مسؤوليته الشخصية عن المساعدة غير المقصودة في تحويل مصر الحبيبة إلى دكتاتورية عسكرية.

فعلى سبيل المثال، في رواية “لا أنام” ، التي نُشرت مسلسلةً بين عامي 1955 و1956، يُعيد عبد القدوس سرد قصة الانقلاب متخفيًا في هيئة راوية شابة تُدبّر مكائد لإقناع والدها، الذي يرمز إلى الشعب المصري، بتطليق زوجة أبيها المُحافظة وطردها (الاستعمار البريطاني)، ليُحلّ محلها خائنٌ فاتنٌ وماكرٌ ومُخادع (عبد الناصر)، مما يُؤدي في النهاية إلى تدمير الأسرة، أو الأمة. وفي رواية “البنات والصيف”، التي نُشرت مسلسلةً عام 1958، يُعيد عبد القدوس كتابة نفسه في النص الروائي، وهذه المرة في هيئة امرأة ضعيفة وقلقة للغاية بحيث لا تستطيع الكشف عن الاعتداء الجنسي الذي تُعاني منه سرًا على يد صديق زوجها المُقرّب المُتسلّط، وهو رمزٌ آخر مُقنّع لعبد الناصر كخائنٍ وديكتاتور. في رواية “أنف وثلاث عيون”، التي نُشرت مسلسلةً بين عامي 1963 و1964، يصوّر عبد القدوس نفسه هذه المرة كامرأة شابة على علاقة غرامية بطبيب، في إشارةٍ واضحة إلى عبد الناصر بوصفه “محلله النفسي”، الذي يُهينها ويُفسدها، ليحوّلها في النهاية إلى عاهرة، في قراءة مجازية لما شعر به عبد القدوس من فعل عبد الناصر به وبالأمة. وكما أُبين في هذا الكتاب، فقد منحت الميلودراما الرومانسية والإثارة الجنسية عبد القدوس غطاءً متكررًا لتحويل ما لا يُمكن التعبير عنه علنًا – ندمه على “علاقته الغرامية” الفاشلة مع عبد الناصر والثورة – إلى شكل سردي مقبول لدى السلطات، على الأقل في معظم الأحيان. بالطبع، لم يكن عمله مقبولًا لدى العامة فحسب؛ فبفضل انتشاره وتداوله واستهلاكه على نطاق واسع في وسائل الإعلام المتعددة طوال سنوات عبد الناصر وما بعدها، شكّل الخلفية الأساسية – تجربة جماعية مشتركة – للخيال الشعبي المصري خلال تلك الحقبة.

لكن ما الذي تخبرنا به هذه الميلودراما الرومانسية عن العلاقة بين المثقف والسلطة؟ وماذا تخبرنا عن بزوغ نظام سياسي جديد في عهد جمال عبد الناصر؟ كيف تُصوّر هذه الرواية ميلاد عهد جديد من الديكتاتورية العربية ودور جديد للمثقف كمعارض؟ من خلال استكشاف هذا الأرشيف الضخم من المواد، ووضع النشر المتسلسل الأصلي لروايات عبد القدوس في سياق نشرها الفوري في الصحافة، بالإضافة إلى خلفيتها السياسية والسيرية المعاصرة، أعيد صياغة كتابات عبد القدوس كشيء جديد. فإلى جانب دور الميلودراما الرومانسية في تشكيل مخيلة ورغبات أجيال من القراء، أُبين كيف يُقدم عمل عبد القدوس نموذجًا جديدًا لفهم الرواية كشكل من أشكال المعارضة خلال عهد جمال عبد الناصر. فروايته ليست التزامًا أدبيًا بالمعنى الحرفي، أي الالتزام الأدبي كما يُعبّر عنه من خلال الفن الأدبي الرفيع، والذي كان النموذج السائد لقراءة البُعد السياسي في النصوص الأدبية العربية خلال تلك الحقبة. بل إنها قراءة تستخدم الاستراتيجيات الأساسية للنهضة – وهي تبسيط اللغة العربية ونشرها عبر الصحافة لتشجيع القراءة الجماهيرية – لكتابة دراما رومانسية كأداة مجازية للطعن في مصير ثورة 1952، وإدانة خيانة عبد الناصر للديمقراطية، والكشف عن عمق ندم عبد القدوس وشعوره بالذنب تجاه ما آلت إليه مصر. والأهم من ذلك، أن هذه القراءة الجديدة لعبد القدوس تؤكد على أهمية إدراج ثقافة عامة الشعب في تاريخ الناصرية.

نعلم أن مخيلة عبد الناصر السياسية المبكرة تشكلت من خلال الأدب، ولا سيما رواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم . وقد استلهم من رواية الحكيم لدرجة أنه بدأ بكتابة روايته الخاصة، ” من أجل الحرية “، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين تقريبًا، وأطلق على بطلها اسم محسن، وهو الاسم نفسه الذي اختاره الحكيم لبطل روايته الذي سينهض لتحرير مصر. وكما لاحظ العديد من الباحثين، رأى عبد الناصر الشاب نفسه يؤدي دورًا دراميًا، مجسدًا البطل الذي كانت مصر تبحث عنه ليقودها إلى الحرية. إن بحثي في أرشيف عبد القدوس يُضفي تعقيدًا كبيرًا على هذا التصوير لعلاقة عبد الناصر بالأدب. أُبين في الفصل الأول كيف كان عبد القدوس على دراية تامة بخيال عبد الناصر في لعب دور البطل المُحرر لمصر خلال العامين السابقين للانقلاب، مستخدمًا هذا الإطار لبناء سيناريو لعبد الناصر في صفحات “روز اليوسف”، وكأنه يُعلن له صراحةً عن دوره. ثم أقرأ ميلودراما عبد القدوس الرومانسية بعد الانقلاب جزئيًا باعتبارها تأطيرًا لعلاقة عبد الناصر بالشعب. وكما أشارت مارغريت ليتفين، كان لعبد الناصر “علاقة غرامية مع الشعب المصري”. في رواية عبد القدوس المجازية، الشعب المصري – الذي يُمثله أيضًا امرأة شابة – هو من وقع، مثله، في غرام عبد الناصر الوسيم والمُطيع ظاهريًا، ليُساء معاملته ويُخان ويُهان ويُذل بمجرد أن يُسيطر على العلاقة. في هذا السياق، أُبين كيف انحرف عبد الناصر عن سيناريو الرومانسية الذي كتبه عبد القدوس. بعد أن هجرته، أصبح تركيز عبد القدوس على الجنس والرومانسية في رواياته أمراً جديداً. فهو يصوّر علاقة مصر بجمال عبد الناصر وهوس الأمة المرضي بصفاته الخلاصية كقصة حب ميلودرامية ورغبة في رجولته وقوته.

مُعَالَجَة

لعب الأدب دورًا محوريًا آخر في حياة عبد القدوس، إذ وفّر له نوعًا من العلاج. وقد اعترف عبد القدوس في مقالاته الافتتاحية مرارًا وتكرارًا بمعاناته من الاكتئاب والأرق والقلق. وكما أناقش في الفصل السادس، فقد عانى أيضًا من نوبات هلع، على الأقل في أوائل الستينيات. وقد ضمّن في رواياته شخصياتٍ سعت دون جدوى إلى العزاء من خلال الاعتراف، أو دُمّرت بسبب عجزها عن كشف أسباب قلقها ومعاناتها. كما كتب بانتظام عن شخصياتٍ عانت من انهياراتٍ عصبية نتيجةً لتوتراتٍ لا يمكن التوفيق بينها بين الوعي واللاوعي. ولا شك أن الخط الفاصل بين الأدب والسيرة الذاتية كان ضبابيًا بالنسبة له.

ومن بين العناصر الأخرى التي ميّزت عبد القدوس، سعيه إلى تحليل ذاته في أعماله الروائية من خلال استعارات الكشف والاعتراف. لم يقتصر جمهوره على عامة الناس فحسب، بل شمل أيضًا عبد الناصر نفسه، الذي كان قارئًا نهمًا لأعمال عبد القدوس الروائية. لم يكن يقرأ الكتب، لكنه كان يتابع الصحافة عن كثب، بما في ذلك متابعة أجزاء من أعمال عبد القدوس الروائية، بل وكان يُبدي تعليقاته وملاحظاته أحيانًا. عندما أصبح من المستحيل التعبير عن معارضة عبد الناصر من خلال المقالات الافتتاحية بسبب الرقابة أو بشكل مباشر، أدرج عبد القدوس انتقاداته في أعماله الروائية، التي ملأها بتفاصيل علاقتهما، التي لم يكن يعرفها سواهما في ذلك الوقت، احتجاجًا على مصير الثورة وتحديًا لعبد الناصر نفسه. ولذلك، يُظهر عبد القدوس ويُعقّد في الوقت نفسه الطريقة التي استخدم بها العديد من الكُتّاب، مثل أحمد أبو الفتح ولطفي الخولي، الصحافة لتوجيه فكر عبد الناصر. في هذا السياق، سار عبد القدوس على خطى العديد من الكتّاب في البيئات الاستبدادية الذين سعوا للتأثير على الحاكم، وكأنهم يكتبون لجمهورٍ واحد. كما أبين كيف تخلى عبد القدوس أحيانًا عن هذه الاستراتيجية ليتمرد على عبد الناصر في رواياته، متأرجحًا بين الاسترضاء والإدانة. وفي خضم هذه التقلبات، تحوّل عبد القدوس أحيانًا إلى مريضٍ متمردٍ ومخذولٍ يخضع للعلاج النفسي مع عبد الناصر الذي كان بمثابة محلله النفسي المكروه. كما أبين كيف حاول عبد القدوس، مع كل حلقة أسبوعية من المعارضة، كشف الأسرار والشعور بالذنب الذي كان يخفيه، ولكنه فشل مرارًا وتكرارًا في تحقيق الأثر العلاجي الذي كان يسعى إليه بوضوح. وبينما قد يكون هذا الجانب من رواياته غامضًا بالنسبة للعامة، الذين لم يكن بإمكانهم معرفة تفاصيل علاقته الشخصية بالرئيس، إلا أنه كان واضحًا بما يكفي لعبد الناصر، معالجه الذي نصب نفسه بنفسه.

كما أوضح في هذا الكتاب، عبّر عبد القدوس، ومن خلال رواياته، عن شعوره بالذنب والندم المكبوتين عبر شكل الميلودراما الرومانسية. وليس من المستغرب أن هذه الميلودرامات، التي كانت تتمحور عادةً حول الأسرة، كانت متجذرة في علاقة عبد القدوس ليس فقط مع عبد الناصر، بل أيضًا مع والدته فاطمة يوسف. وهي، المعروفة باسمها الفني والأدبي روز اليوسف، إحدى رائدات الفن اللاتي تناولهن رافائيل كورماك في كتابه “منتصف الليل في القاهرة” . انتقلت يوسف من التمثيل المسرحي إلى الصحافة عندما أصدرت العدد الأول من مجلتها التي تحمل اسمها، “روز اليوسف”، في أكتوبر 1925. وبعد أن ركزت المجلة في عامها الأول على أخبار الفن والمسرح، تحولت إلى تغطية الشؤون السياسية والثقافية، ممزوجةً بأسلوب رائد في استخدام الرسوم الكاريكاتورية والفكاهة السياسية اللاذعة، لتصبح بذلك أهم مجلة أسبوعية في مصر بحلول ثلاثينيات القرن العشرين. كانت علاقة عبد القدوس بوالدته معقدة للغاية. فبالنسبة له، لم تكن مجرد شخصية صارمة تفرض الانضباط والرفض، سعى طوال حياته لكسب حبها، بل كانت أيضًا رمزًا للعصر الليبرالي في مصر، الفترة الممتدة من عشرينيات القرن العشرين وحتى انقلاب الضباط الأحرار، الذي ناضل ضده عبد القدوس في صفحات المجلة نفسها. بانخراطه في “علاقته” مع عبد الناصر ودعوته للثورة في السنوات التي سبقت 23 يوليو 1952، كان عبد القدوس يرفض والدته ويحاول رمزياً القضاء عليها (وعلى عصرها)، وهو تهديد/إهانة لا شك أنها أخذتها على محمل شخصي.

في سلسلة من الأحداث التي أتناولها في هذا الكتاب، أبين كيف سخرت يوسف من ابنها وأهانته بسبب دعواته للثورة، مستهزئةً به لما اعتبرته دعمه الساذج لعبد الناصر كديمقراطي، وتورطه المتهور مع الضباط، وحتى أكاذيبه. وكما أجادل، فإن هذه العلاقة الثلاثية المعقدة بين عبد القدوس ووالدته وعبد الناصر تستحضر الإطار الذي طورته لين هانت في كتابها “الرومانسية العائلية للثورة الفرنسية”. وتتمثل حجة هانت الأساسية، المستندة إلى فرويد، في أن النفس الفردية مرتبطة بالنظام الاجتماعي من خلال صور الأسرة الجماعية التي يتم فيها استبعاد الوالدين واستبدالهما بشخصية ثورية جديدة، عادةً ما تكون شاباً. من خلال كتاباته، وفّر عبد القدوس الإطار والصور اللازمة لاستبدال صورة الأم الباردة والبعيدة والقديمة بصورة ناصر الشاب والقوي والرجولي، ليس فقط لنفسه بل وللأمة بأسرها. وبالطبع، سيؤدي هذا الاستبدال في نهاية المطاف إلى دكتاتورية عسكرية، الأمر الذي أثار ندم عبد القدوس وشعوره بالذنب والرعب.

صناعة الناصرية

يساعدنا وضع أعمال عبد القدوس الروائية ومقالاته الافتتاحية في سياق نشرها الأصلي في الصحافة على إعادة تقييم تاريخ وإنتاج الناصرية، فضلاً عن معرفتنا بشخصية عبد الناصر نفسه. فبفضل شعبيته الواسعة وإنتاجه الغزير والمتواصل، يُقدّم عبد القدوس حالةً بالغة التفصيل، وإن كانت غير مستكشفة، لكيفية عمل عبد الناصر على صياغة الثقافة الشعبية لخدمة أهدافه السياسية. وكما لاحظ العديد من المراقبين، حتى الضباط الأحرار أنفسهم في مذكراتهم، كان عبد الناصر مهتمًا بشكل خاص بالسيطرة على وسائل الإعلام. فقد راقب الصحافة عن كثب، مُديرًا أدق التفاصيل ليس فقط في التغطية، بل في اختيار الكلمات أيضًا. وكان يتدخل بانتظام لمنع نشر المقالات في الصحافة. وبعد أقل من شهرين على الانقلاب، قرر العمل على التحكم في الرسالة بشكل مباشر، فأطلق مجلة التحرير الأسبوعية ، ثم صحيفة الجمهورية اليومية بعد عام. وفي هذا السياق، كان عبد القدوس ذا أهمية فريدة بالنسبة لعبد الناصر. إلى جانب شعبيتها الواسعة، حظيت روايات عبد القدوس بجاذبية بالغة الأهمية لدى النساء تحديدًا، نظرًا لتركيزها على المرأة الثورية الجديدة؛ وكما أوضحت لورا بير، كان عبد الناصر مهتمًا بشدة بالإشراف على هذه الفئة تحديدًا. ومن خلال الكشف عن تدخلاته المتكررة في تشكيل أعمال عبد القدوس أسبوعيًا، أُبين كيف أصبحت الرواية الشعبية فضاءً للتفاوض والنقاش السياسي خلال فترة يُفترض على نطاق واسع أنها خالية من المعارضة.

نعلم أن عبد الناصر كان شديد الحساسية تجاه النقد، لا سيما النقد المُعبَّر عنه في المحافل العامة. وبينما كان يقرأ كل حلقة أسبوعية من روايات عبد القدوس، رأى فيها إمكانية أن تكون وسيلة لنشر أيديولوجيته السياسية على نطاق أوسع، ولكنه لا شك أنه لاحظ أيضاً المعارضة الموجهة إليه مباشرة. وكما أوضح، فقد اتخذ عبد الناصر موقفاً متساهلاً تجاه معارضة عبد القدوس في بعض الأحيان، معتبراً إياها شأناً خاصاً لا يعلمه إلا هما، بينما تدخل بغضب في أحيان أخرى. لكن قراءة روايات عبد القدوس في سياق نشرها الأصلي في الصحافة تُسلط الضوء على محاولات الرئيس المتكررة للسيطرة على عبد القدوس، وتسخير شعبيته، وتوجيه رواياته، وتحويله إلى ناطق باسم أيديولوجيته السياسية وبرنامجه. علاوة على ذلك، في ثلاث حوادث على الأقل – ومن المؤكد أنها كانت أكثر – أوضح الطرق التي عاقب بها الرئيس عبد القدوس على معارضته. يُقدّم الأرشيف، الذي يُقرأ أسبوعيًا في سياق نشره في الصحافة ويرتبط بأحداث حياة عبد القدوس، سجلًا مفصلاً بشكلٍ مُدهش، ليس فقط عن دور الأدب الروائي في صياغة نظام سياسي جديد، بل أيضًا عن إنتاج الناصرية، ليس كعملية خطية من أعلى إلى أسفل، بل عن الطريقة التي حاول بها عبد الناصر نفسه مرارًا وتكرارًا إدارة شؤون أحد أهم المثقفين العرب في القرن العشرين من خلال الصحافة. وكما أُبين في هذا الكتاب، كانت هذه العلاقة أشبه بالبندول، حيث كان عبد القدوس يتأرجح بين التمرد والاسترضاء. وبفضل إنتاج عبد القدوس الفريد كصحفي وروائي – حيث كان ينشر هذه الأشكال المختلفة أسبوعيًا، وغالبًا ما كانت تتفاعل فيما بينها، وفي مواعيد نهائية – يُقدّم أرشيفه السجل الأكثر تفصيلاً على الإطلاق عن الطريقة التي حاول بها ناصر إدارة المثقفين وتشكيل كتاباتهم.

وكما هو معلوم، لم يترك عبد الناصر أي مذكرات أو أي مواد مكتوبة أخرى تُقدم صورة غير منقحة لآرائه. وكما يؤكد بي جيه فاتيكوتيس، “لا يسعنا إلا رسم ملامح شخصيته من خلال ما ذكره من عرفوه عنه”. لذا، لا نعرف عبد الناصر كشخص إلا من خلال الصورة المركبة التي رسمتها روايات الآخرين، مثل مذكرات لاحقة لضباط أحرار آخرين وشخصيات أخرى ادعت تأثيرًا بالغًا عليه، بمن فيهم أحمد أبو الفتح. علاوة على ذلك، وكما يشير أحد كُتّاب سيرة الرئيس، فإن عبد الناصر، على عكس غيره من الدكتاتوريين العسكريين، لم يُصفِّ رفاقه القدامى وشركاءه في المؤامرة. بل على العكس، وكما ورد بالتفصيل في مذكرات لاحقة لأعضاء من الضباط الأحرار، أبقاهم حوله، “مُذلًّا إياهم مرارًا وتكرارًا لبث الخوف في نفوسهم ولجعلهم يسعون دائمًا لنيل رضاه”. في مذكراته التي كشف فيها أسراره عام 1962، يصف أحمد أبو الفتح بتفصيل دقيق كيف كان الرئيس يتلذذ بإذلال الضباط الأحرار الآخرين، وخاصة السادات، ثم إعادتهم إلى دائرته المقربة. وعندما أخبر ناصر عبد القدوس أنه يُخضعه لـ”علاج نفسي تحليلي”، لم تكن تلك المرة الأولى التي يسعى فيها عبد الناصر لإذلاله، ولن تكون الأخيرة. يُظهر الأرشيف كيف أثرت كل إهانة جديدة بعمق في حياة عبد القدوس الشخصية وفي كتاباته، دافعةً إياه في البداية إلى محاولة استرضاء الرئيس، وهو ما أعقبه حتمًا أعمال تمرد غاضبة. وبسبب نطاقه وتفاصيله، يُقدم أرشيف عبد القدوس أيضًا أكثر الروايات تفصيلًا عن مدى تأثير إدارة عبد الناصر الدقيقة لرفاقه الثوريين السابقين، وهو عنصر بالغ الأهمية في كيفية إدارة الرئيس لـ”أصدقاء الماضي”، وهو جزء محوري من حكمه لم يخضع لتحليل منهجي حتى الآن. من خلال قراءتي لأرشيف عبد القدوس، تتبلور صورة جديدة لعبد الناصر، صورة لا تُظهر فقط تقلبات علاقته بالمثقفين وأعضاء النظام، بل تُبرز أيضاً هوسه الدائم بتشكيل الثقافة الشعبية، وإخضاع وإذلال شركائه السابقين في المؤامرة، والتدخل في حياتهم الشخصية بطرق لم تُدرس بشكل كامل من قبل.

تحذيرات

اعتقد عبد القدوس أنه لعب دورًا محوريًا في تمهيد الطريق للثورة، وأنه سيواصل السيطرة على عبد الناصر بعد الانقلاب كأداة لإرساء الديمقراطية في مصر، وأنه يتحمل مسؤولية كبيرة لمساهمته غير المقصودة في تحويل بلاده إلى دكتاتورية عسكرية. مع ذلك، من الضروري الإشارة منذ البداية إلى أنه من المحتمل جدًا أن يكون عبد القدوس قد بالغ في تقدير أهمية كل هذه الجوانب. لم يناقش عبد القدوس علاقته بعبد الناصر علنًا بالتفصيل إلا في عام 1974، في وقت كان فيه نظام السادات يُدير عملية “اجتثاث الناصرية”، والتي لم تقتصر على الإصلاحات الاقتصادية فحسب، بل شملت أيضًا تشجيع المثقفين على مهاجمة عبد الناصر ونظامه. وكما بيّن جون ووتربري، شهدت سبعينيات القرن الماضي مجموعة واسعة من المذكرات والمقالات والمقابلات اللاذعة لشخصيات بارزة تُدين عبد الناصر. زعم عبد القدوس آنذاك أنه لم يكن مشاركًا في موجة الانتقادات هذه، لكنه ابتداءً من عام 1974 أدلى بالعديد من المقابلات التي كشفت عن أسفه العميق لما آلت إليه الثورة، فضلًا عن تفاصيل علاقته المتوترة مع الرئيس الراحل، حتى وإن فعل ذلك بتردد ودون حدة نقد شخص مثل توفيق الحكيم. وبدون مذكرات أو وثائق شخصية أخرى تكشف الكثير لعبد الناصر، يستحيل الحكم على ما إذا كان عبد القدوس يبالغ في وصف دوره في الثورة. وخلافًا لما ذكره إسرائيل غيرشوني في مناقشته لمزاعم توفيق الحكيم بشأن تأثيره الفريد على عبد الناصر، لن أحكم على عبد القدوس في هذا الصدد. ومع ذلك، لا أقبل مزاعم عبد القدوس في مقابلاته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي دون تمحيص أو كحقيقة تاريخية. تُظهر هذه المقابلات أن عبد القدوس شعر بالقلق واليأس والرعب مما اعتبره دوره الفريد في ترسيخ الديكتاتورية العسكرية في مصر. وكما أُبين في هذا الكتاب، فإن أصداء هذه المشاعر وأدلة دوره واضحة في كتاباته الغزيرة والشائعة الانتشار، والتي امتدت من أربعينيات القرن العشرين وحتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970. في التاريخ الذي أقدمه في هذا الكتاب، أركز على النصوص التي تعكس هذه المشاعر، وليس على ما إذا كانت هذه المشاعر مُبررة أم لا.

على الرغم من أن عبد القدوس هاجم عبد الناصر بشكل مباشر في عدد من المقالات الافتتاحية التي نُشرت بين يناير 1953 ومارس 1954، إلا أن هذا كان استثناءً لا قاعدة. فبدلاً من ذلك، وكما أُبين في هذا الكتاب، استخدم عبد القدوس مرارًا وتكرارًا الرمز والاستعارة للتعبير عن يأسه من مسار الثورة. ومن الضروري أيضًا التوضيح أنني لا أدّعي أن عبد القدوس كان على دراية تامة بما قرأته من أعمال معارضة متكررة ضد عبد الناصر في رواياته، أو أنه كان دائمًا ما يبني الرمزية الروائية بعناية وقصد على هذا النحو. ومع ذلك، أُبين في هذا الكتاب كيف عاد عبد القدوس مرارًا وتكرارًا إلى أعمال تمرد مماثلة ضد عبد الناصر في رواياته على مدى خمسة عشر عامًا تقريبًا. ومن الواضح خلال هذه الفترة أن عبد القدوس كان يحاول معالجة قلقه ويأسه، معبرًا عنهما للجمهور ولقارئه الأهم، عبد الناصر، أسبوعيًا في رواياته المتسلسلة. لعلّ سرعة كتابة عبد القدوس لأجزاء من رواياته، وخضوعه لمواعيد نهائية صارمة، شجعته على التعبير عما كان يشعر به أسبوعيًا دون قيود الزمان والمكان. وكما بدا أن الجمهور يتجاهل محاولاته للكشف عن غضبه وندمه وثورته، متجاهلًا مرارًا النقد السياسي الكامن في هذه النصوص المتسلسلة واسعة الانتشار، فمن الممكن، بل من المرجح، أن عبد القدوس نفسه لم يكن مدركًا تمامًا لقمع مشاعره وتمرده على عبد الناصر. لذا، يمكن قراءة رواياته ليس فقط كنوع جديد من التمهيد لولادة الديكتاتورية العربية والعلاقة المتذبذبة والظرفية بين المثقف والسلطة خلال عهد ناصر، بل أيضًا، على نحو متناقض، كانزلاق ليأس مكبوت ودافع للثورة، وليس بالضرورة مقاومة بطولية مقصودة. ومع ذلك، واستنادًا إلى فريدريك جيمسون، أجادل في هذا الكتاب بأن اللاوعي السياسي هو الذي شكّل جوهريًا أعمال عبد القدوس.

قد يُذكر عبد القدوس اليوم أكثر من رواياته وقصصه القصيرة، بفضل الأفلام الكلاسيكية المقتبسة من أعماله الروائية. فبالنسبة للكثيرين، تُعدّ نهايات هذه الأفلام، التي يُقدّم العديد منها حلولًا أخلاقية صارمة للعلاقات الجنسية والجندرية المعقدة، مرادفةً لأعماله الروائية. وبينما التزمت العديد من الأفلام بالرواية حتى ذروتها، فقد تم تغيير معظم النهايات، لا سيما في الأفلام التي ظهرت خلال عهد جمال عبد الناصر، مما أدى إلى تهميش المعارضة التي عبّر عنها عبد القدوس في أعماله الأصلية. أحيانًا كانت هذه التغييرات تُجرى لإرضاء الرقابة، وأحيانًا أخرى تبدو وكأنها نتاج سعي المخرج والمنتجين والاستوديو لتحقيق أقصى قدر من الإيرادات. من الضروري التوضيح أن عبد القدوس فقد سيطرته تمامًا على هذه الأفلام بمجرد تنازله عن حقوقها. في الواقع، كانت هذه الأفلام مصدرًا لتناقضات عميقة بالنسبة له، فقد استمتع بلا شك بالشهرة والسمعة التي أعقبت كل نجاح تجاري. ومع ذلك، فقد استشاط غضبًا مرارًا من تغيير الأفلام لنهايات رواياته، حتى أنه في بعض المرات نشر شكاوى بشأنها في الصحافة. ولأن عبد القدوس لم يكن له سيطرة تُذكر على معظم الاقتباسات السينمائية، فسأتناول هذه الأفلام فقط عندما تكون ذات صلة مباشرة بحجتي.

يقدم هذا الكتاب تاريخًا جديدًا لثورة 1952، فضلًا عن السياسة والثقافة الشعبية في مصر في عهد جمال عبد الناصر، من خلال حياة وأعمال إحسان عبد القدوس. في التاريخ المفصل الذي أعيد بناؤه في كل فصل، يبرز عبد القدوس كشخصية أسطورية منسية في الدراما الرومانسية العربية، ولاعباً محورياً، وإن طُمست هويته، في انقلاب الضباط الأحرار، وشخصية مأساوية ساهمت، دون قصد، في ترسيخ الديكتاتورية العسكرية في مصر. كما يصبح ضمير الثورة والأمة المعذب، شخصية فريدة عاشت التذبذب المتكرر بين مقاومة الديكتاتور ومسايرة أوامره. يبرز عبد القدوس كشخصية بالغة التعقيد والتناقض، عانت بشدة من التناقضات والخزي وكراهية الذات نتيجة إرضاء عبد الناصر، بينما لم تستطع كبت معارضتها لفترة طويلة، سواء أدركت ذلك أم لا. من خلال السيرة الاجتماعية والسياسية التي أقدمها في هذا الكتاب، أبين كيف أصبح عبد القدوس رمزًا وطنيًا لمصر خلال عهد جمال عبد الناصر، بأحلامها وأوهامها، وأحزانها وخيبة أملها، وقمعها وإنكارها، وفي نهاية المطاف، بتدهورها وخضوعها وهزيمتها. وباستكشاف العلاقة غير المعروفة على نطاق واسع، ولكنها بالغة الأهمية، بين عبد القدوس وعبد الناصر، على مستوى الأرشيف الأسبوعي، يُظهر هذا الكتاب في نهاية المطاف كيف أن إعادة قراءة شخصية عبد القدوس – في قلقه وقمعه وقبوله المتناقض لـ”علاج” عبد الناصر النفسي ومقاومته له – تقدم تاريخًا جديدًا لسياسات المعارضة والثقافة الشعبية والأدب خلال ربما أهم فترة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

إقرأ أيضا
Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.