Skip to main content Scroll Top

«النسوية البورقيبية»: المرأة التونسية وبناء الأمة في ستينيات القرن العشرين

«المرأة التونسية الحديثة: بناء الأمة ونسوية الدولة في ستينيات القرن العشرين العالمية»
إيمي أيزن كالاندر، مطبعة جامعة كامبريدج، 300 صفحة.

سعدية شابة تنحدر من مدينة تونسية صغيرة تصل إلى العاصمة بعد الاستقلال. تخلع السفساري بأمر من صاحب عملها. تتعثر في حفلة، تقبل كأسًا من النبيذ، لتجد نفسها في سيارة سمير وهي تنحرف عن الجرف، ثم – على امتداد الحلقات المتسلسلة لقصة مصوّرة نُشرت عام 1963 في مجلة النسائية التونسية ”فائزة” – تسقط في دوامة التشرد والسجن والعمل الجنسي. يخرج سمير، ضابط الحرس الوطني الذي تسبب في الحادث، سالمًا. يعرض عليها الزواج لاحقًا؛ لكن رؤساؤه يرفضون منحه الإذن؛ لكن سعدية تنهي الحكاية بقتل نفسها. ترى إيمي آيسن كالندر، في أول سطور كتابها “المرأة التونسية الحديثة: بناء الأمة ونسوية الدولة في ستينيات القرن العشرين العالمية “، أن هذه القصة قابلة لقراءات متعددة. سمير هو المنقذ المفترض لسعدية – الدولة، الأمة، الرجل الحداثي – لكنه أيضًا، دون لبس، سبب دمارها.

كالندر أستاذة مشاركة في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سيراكيوز ومؤلفة دراسة سابقة عن أُسَر القصور في تونس العثمانية. وهذا الكتاب، الصادر ضمن سلسلة “الشرق الأوسط العالمي” عن مطبعة كامبريدج، يضع نفسه داخل أدبيات راسخة ومتنامية حول النسوية الحكومية في العالم العربي ما بعد الاستعمار، جنبًا إلى جنب مع أعمال مرفت حاتم عن مصر، وفرانسيس حاسو عن الخليج، ولورا بير عن نظام عبد الناصر. لكن ما يميّزه هو طموح مزدوج، أولًا، نزع الطابع الطبيعي عن سمعة تونس بوصفها استثناءً مستنيرًا متفرّدًا في العالم العربي؛ وثانيًا، أخذ حياة النساء وفكرهنّ، اللواتي تحرّكن داخل حدود هذا الاستثناء وأحيانًا في مواجهته، على محمل الجد. والنتيجة عمل غني النسيج، متين البحث، في التاريخ الفكري والثقافي، يمزج بين قراءات دقيقة لمجلات نسائية وبين بحث أرشيفي موزعٍ بين نيويورك وباريس وتونس.

المفارقة التونسية

الادعاء المركزي للكتاب تاريخي وجدلي في آن واحد. فقد حظيت تونس طويلًا – من حكومتها، ومن المعلّقين الغربيين، ومن مؤسسات التنمية الدولية – بصورة البلد الأكثر تقدمًا في حقوق النساء بين الدول العربية والإسلامية. “مجلة الأحوال الشخصية” التي أصدرها الرئيس الحبيب بورقيبة في صيف 1956، بعد أشهر قليلة من الاستقلال، حرّمت تعدّد الزوجات، وجعلت الطلاق إجراءً مدنيًا، ووضعت حدًا أدنى لسن الزواج، وألزمت برضا الطرفين. كانت هذه بالفعل قطيعة راديكالية، خصوصًا في منطقة ما زالت تعيش تحت أنظمة قانونية تمنح الرجال سلطة شبه مطلقة على الحياة الأسرية. وقد أصبح يوم صدور المجلة عيدًا وطنيًا، “يوم المرأة”. بورقيبة نفسه لم يملّ من تكرار أنه هو من حرّر المرأة التونسية: “عند فجر الاستقلال، ما إن صار مصير تونس بين يديّ، وبعد أربعة أشهر فقط من تشكيل حكومتي، أصدرتُ القانون الذي يحرّر المرأة ويجعلها مساوية للرجل”. هذا الوقوف في موضع المحسن المتفضل، كما تجادل كالندر، لم يكن زينة خطابية عرضية؛ بل كان بنيويًا، يمثل آلية للانضباط والسيطرة تربط ولاء النساء السياسي للنظام بسداد دَينٍ قيل لهن إنهن مدينات به.

المقارنة التي تستحضرها كالندر ليست ثنائية شرق/غرب المسطِّحة التي تطارد كثيرًا من الكتابات عن الجندر في العالم العربي، بل سياق أوسع لما بعد الاستعمار في الستينيات، يشمل مصر الناصرية، والعراق البعثي، والجزائر، واليمن، وحتى المعسكر الاشتراكي. في كل هذه الحالات، استقطبت الدولة ما بعد الاستعمار النساء إلى جهازها وقدّمت حقوقهنّ القانونية بوصفها دليلًا على حداثة الأمة وتقدّمها الحضاري. في كل حالة، كانت النتيجة ما تسميه كالندر، تبعًا لمرفت حاتم، “الأبوية العمومية” – نظامٌ استُبدلت فيه أشكال السيطرة الذكورية الخاصة والأسرية بأشكالٍ دولانية لم تُزِل البنية الأبوية بل أعادت تشكيلها. تموضع بورقيبة بوصفه “أبا الأمة”، حاميها ومحرّرها؛ وبقيت حقوق النساء خاضعة لهذا الترتيب الأبوي. فقد احتفظت مجلة الأحوال الشخصية بموقع الزوج كرئيسٍ للأسرة ورئيسٍ لماليتها. حثّت خطب الرئيس النساء على تقبّل خيانة الأزواج بصبرٍ كـ”تضحيات صغيرة”. وعلى الرغم من أن الطلاق أُتيح قانونيًا للطرفين، فقد جرى في الوقت نفسه تحويره أخلاقيًا حين تطلبه النساء، باعتباره تهديدًا للاستقرار الوطني؛ وحذّر بورقيبة من أن الاستقلال الزائد للمرأة يعرّض البلاد لخطر “المجون وانحلال الأخلاق”. بهذا المعنى، لم تكن تونس استثنائية إلا في الدرجة وفي طريقة العرض، لا في المنطق الأساسي لعلاقة الدولة بالنساء.

هذا الطرح معروف ومتداول، وقد طوّرته أجيال من الباحثات النسويات التونسيات – مثل إلهام المرزوقي، وصوفي بسيس- اللواتي تحرص كالندر على الاعتراف بأعمالهن والبناء عليها. ما تضيفه هي تفكيك منهجي للأبعاد الثقافية والدولية للنسوية الحكومية، من خلال تتبّع كيفية إنتاج صورة المرأة التونسية الحديثة، وكيف نوقشت ونُزِع عنها الإجماع، وكيف دارت وتمّت إعادة تدويرها عبر مجالات متعددة، مثل صحافة النساء، وبرامج تنظيم الأسرة الدولية، والسوسيولوجيا الأكاديمية، والموضة.

الصحافة النسائية

تبدو الفصول المعنية بالصحافة من أقوى فصول الكتاب. تشتغل كالندر عن قرب على ثلاث منشورات من الستينيات، هي ”فائزة”، مجلة ثقافية ثنائية اللغة مرتبطة بالحزب الحاكم؛ ”المرأة”، المجلة العربية للاتحاد القومي للمرأة التونسية؛ و”فام”، ملحق فرنسي يظهر عدة مرات في السنة. عملت هذه الدوريات في ظل رقابة، تتعامل معها كالندر بقدر مناسب من الدقة، من خلال الوطنية الصريحة، وصور بورقيبة التبجيلية على أغلفة الأعداد، وتكرار الخطاب الرسمي عن تحرير المرأة، باعتبارها “شرطًا مسبقًا للنشر لا انعكاسًا شاملًا لرؤاها التحريرية”. فمحررات “فائزة” كنّ نساءً عاملات متعلمات جامعيًا، كثيرات منهن زوجات أو قريبات لمسؤولين بارزين في الحزب الدستوري الجديد؛ وقربهن من السلطة منحهنّ قدرة على الوصول إلى قلبها، وقيّدهنّ في الوقت نفسه في حدودها. ومع ذلك، وفي إطار هذه الحدود، نجحن في فتح نقاشات لم يكن بمقدور النسوية الحكومية التحكم فيها بالكامل.

مؤسسة “فائزة”، صفية فرحات، كانت أول امرأة في هيئة التدريس في معهد الفنون الجميلة بتونس؛ وثاني رئيسة تحرير لها، درّة بوزيد، كانت من أوائل الصحفيات التونسيات. احتفت المجلة بالنساء اللواتي كسرن الحواجز المهنية، لكنها نشرت أيضًا قصصًا قصيرة، وبورتريهات لنساء من الاتحاد السوفيتي والصين، وتغطية لمؤتمرات نسوية أفروآسيوية، ورسائل قارئات عن الحب والطلاق وعدم الرضا عن الحياة الزوجية. في عددها الافتتاحي، أعلنت المجلة عن ركن مهني يساعد الشابات التونسيات على “توسيع آفاقهن” وألا يكتفين بالشهادة. النساء المهنيات اللواتي قدّمتهن كنماذج قدمن من الاتحاد السوفيتي، كمهندسات زراعيات، وعالمات آثار، وجيولوجيات – نماذج اختيرت جزئيًا لأنها تتجنّب الحساسية السياسية المباشرة في طرح النسوية الجزائرية أو المصرية كنموذج، وجزئيًا لأن المعسكر الاشتراكي قدّم في ستينيات الحرب الباردة صورة بديلة لإنتاجية النساء تكمل النسوية الليبرالية الرسمية للدولة دون أن تهددها. تبدو كالندر حاذقة في رصد هذه التفاوضات، منتبهة إلى ما يمكن قوله وما يجب إضماره، وما كان مقروءًا للقارئات كنوع من النقد المشفّر وما مرّ بسلام تحت عيون الرقيب.

التنظيم العائلي

الفصل المتعلّق بتنظيم الأسرة هو الأشد كثافة وربما الأكثر أصالة في الكتاب؛ حيث يستند إلى بحث واسع في مركز أرشيف روكفلر في نيويورك، أين توفّر سجلات مؤسسة فورد ومجلس السكان تفاصيل استثنائية عن البرنامج المموّل أمريكيًا الذي جعل تونس، عام 1963، أول دولة عربية وإسلامية تتعهد ببرنامج وطني لتنظيم الأسرة. الأبعاد الدولية لهذه القصة موثقة جيدًا في كتاب ماثيو كونيلي “وهم قاتل”، والذي رسم التاريخ العالمي للتحكم في السكان كاستراتيجية في الحرب الباردة؛ وأظهرت ألكسندرا مينا ستيرن التيارات اليوجينية في تنظيم الأسرة الأمريكي. ما تقوم به كالندر هو إسقاط هذه القصة على قماشة السياسة التونسية ما بعد الاستعمار، حيث تقرأ برنامج تنظيم الأسرة امتدادًا لمنطق النسوية الحكومية: جرى “تأنيث” وسائل منع الحمل، وجعلها مسؤولية النساء، وربطها بخطاب الأمومة الحديثة، واستُخدمت بوصفها دليلًا على “تقدّم” تونس. وبّخ بورقيبة امرأة بدوية رآها مع اثني عشر طفلًا؛ وفي خطاب في مدينة الكاف، نصح النساء اللواتي أنجبن ستة أو سبعة أطفال بإجراء تعقيم لأنفسهن. كان ذلك الخطاب جزءًا مركزيًا من مشروع النظام الأيديولوجي، الذي ربط التقدّم الحضاري مباشرة بضبط أجساد النساء.

تروي تفاصيل تنفيذ البرنامج قصة مختلفة. تستند كالندر إلى تقارير ميدانية لمؤسسة فورد تصف نظامًا فُضّل فيه اللولب على حبوب منع الحمل لأنه لا يتطلب تعاونًا مستمرًا من مريضات اعتُبرن غير قادرات على “استخدامها بنجاح”، وأُدخلت اللوالب في كثير من الحالات دون موافقة، أو حُجبت مع حصص الحليب المجاني كوسيلة لإكراه النساء على قبولها. أطباء أجانب من أوروبا الشرقية كانوا يديرون العيادات المتنقلة دون أن يتقنوا العربية؛ أما العيادة المتنقلة التي صُنعت خصيصًا في نيويورك وشُحنت إلى تونس فلم تُستخدم بانتظام لمدة أربع سنوات. في ريف الشمالي الغربي لتونس، وجدت أعمال أنثروبولوجية استندت إليها الباحثى أن السكان فهموا حملة تنظيم الأسرة لا تحريرًا بل حلقة جديدة في سلسلة من نزع الملكية – مصادرة الأراضي إبان الاستعمار، الحظر على الزراعة في المناطق الجبلية وتربية الماعز بعد الاستقلال، إغراق الأسواق بقطعان المواشي المباعة قسرًا – التي قوّضت تدريجيًا المنطق الاقتصادي للأسر الكبيرة. وعندما وبّخ بورقيبة النساء لأنهن يبررن رفض وسائل منع الحمل بـ”إرادة الله”، كان يسيء قراءة، أو يتعمّد إساءة قراءة، شكل من أشكال المعارضة الصامتة لمشروع التحديث ذاته الذي ادّعى تحريرهن.

يكشف ذلك توترًا بنيويًا لا يحسمه الكتاب تمامًا. فكالندر تقول شيئين في آن، أولاً أن النسوية الحكومية كانت مقيدة، أبوية، وأداة في يد السلطة؛ والثاني أن النساء اللواتي عملن ضمنها لم يكنّ متلقيات سلبيات بل فاعلات “تلاعبن” بحدودها وتجاوزنها أحيانًا. كلا الادعاءين مدعوم جيدًا، لكنهما يشدّان في اتجاهين مختلفين. الوكالة التي تستعيدها كالندر هي في الغالب وكالة نساء متعلمات، حضريات، من الطبقات الوسطى، في الغالب فرنكوفونيات – محررات “فائزة”، الباحثات في جامعة تونس الفتية، مسؤولات الاتحاد القومي للمرأة اللواتي سافرن إلى مؤتمرات نسوية أفروآسيوية في كولومبو والقاهرة وعُدن بمفردات نسوية جديدة. تظهر النساء الريفيات في هذا السرد غالبًا كموضوعات لاهتمام الدولة والمانحين والأكاديميين – يُدرَسن، ويُستهدَفن، ويُكرهن – ولا تصل أصواتهن إلا في الآثار الأرشيفية لما رفضن قوله. تعترف كالندر بهذه المحدودية بصراحة، فالمصادر، كما تكتب، “تعكس تحيزًا حضريًا وتعليميًا في تكوينها وجماهيرها المقصودة”. لكن الإقرار لا يزيل هذا اللاتوازن؛ بل يتركه، بشيء من الحرج، في قلب منهجية الكتاب.

الحب و«الميني جيب»

الفصل المعني بإنتاج المعرفة الأكاديمية – وهو ربما الأكثر عمقًا نظريًا – يدرس الجيل الأول من علماء الاجتماع وعلماء الديموغرافيا التونسيين الذين تموضعوا عند تقاطع التخطيط الدولتي ووكالات التنمية الدولية والبحث الميداني في المجتمعات الريفية. تهتم كالندر بحركة مزدوجة، من جهة، كيف استخدم هؤلاء الباحثون النقد الوطني لكونية التنمية الزائفة لفرض خصوصية تونسية؛ ومن جهة أخرى، كيف استثمرت الباحثات في هذا الوسط الاهتمام بحياة النساء الريفيات لتحدي التحيز الذكوري في تخصصاتهن وافتراضات الطبقة الوسطى في قانون النسوية الرسمي. شخصيات مثل منيرة الشلي في الديموغرافيا، وصوفي فرشيّو في السوسيولوجيا الريفية، دافعن عن إدخال أصوات النساء في النقاشات السياسية التي استثنتهن منهجياً، وبنين علاقات مع نساء ريفيات تتخطى الفوارق الطبقية. هذا التاريخ الذي لم يُدرَس بما يكفي، تقدّمه كالندر بعناية، متتبّعة الدوائر الفكرية بين تونس وباريس وأوساط التنمية الأمريكية التي شكّلت ما اعتُبر “معرفة” عن المجتمع التونسي.

أما الفصول الخاصة بالموضة والحب أخفّ نسيجًا، وأقرب إلى التاريخ الثقافي في التقليد الأنغلوسكسوني، وهي من أكثر أجزاء الكتاب متعة في القراءة. يتتبع فصل “الميني جيب” الجدل الذي أثارته التنورة القصيرة في تونس، كما في أنحاء العالم، في أواخر الستينيات. وهو جدل تقرأه كالندر كهجرة لخطاب المعارضة السياسية الصريحة إلى ساحة اللباس. حين صار الحرم الجامعي فضاءً للمعارضة اليسارية لحكم بورقيبة المتزايد السلطوية، تحوّلت موضة الشباب إلى رمز للعصيان السياسي؛ وأصبح إصرار الرئيس على “اللباس اللائق” للمرأة غير منفصل عن إصراره على الطاعة البنوية من الجيل الشاب عمومًا. تستند كالندر إلى عمل فيروزة كاشاني عن إيران لتأكيد الفكرة الأوسع بأن تدخل الدولة في الموضة “يشير إلى محاولة فرض التجانس والسيطرة على الفرد”. ما يميّز الحالة التونسية أن الدولة كانت قد هاجمت الحجاب سلفًا بوصفه رمزًا للتخلف، مما جعل من الصعب استخدام الحجاب لاحقًا كعلامة مبسطة على الأصالة؛ لذلك تحركت سياسة اللباس في تونس ضمن سجل أكثر تناقضًا، يشجع بعض أنماط الاستهلاك – الأزياء الجاهزة من تنانير وبلوزات، و”صيغ تونسية” للأنماط الأوروبية – بينما يضبط أنماطًا أخرى باعتبارها غير متوافقة مع كرامة الأمة أو أنوثة منتجة.

في الفصل المتعلق بالحب يعود مسرد الكتاب  إلى رسائل القارئات في الصحافة النسائية، حيث كتبت الشابات عن الخطبة، والخيبة، والمعيار المزدوج الذي يحمي حرية الرجال الجنسية بينما يفرض على النساء عذريةً صارمة شرطًا للأهلية للزواج. هذه الرسائل وثائق آسرة لناشئة “جماعة وجدانية” تتفاوض على الفجوة بين الاحتفاء الرسمي بالزواج وبين واقع اجتماعي يرى، كما اشتكى أحد القراء الذكور لـ”فائزة”، أن “تحرير المرأة” لم يفعل سوى إطلاق مادية نسائية وانحلال الأسرة. تقرأ كالندر هذه التبادلات بوصفها أدلة على خطاب نسوي مضاد لا يطلق على نفسه اسم النسوية لكنه يخوض فعليًا صراعًا مع المعايير الجندرية، يهاجم “المعايير المزدوجة المحيطة بالجنس قبل الزواج” ويدعو إلى إعادة التفكير في أشكال الرجولة المهيمنة. القراءة ممكنة، لكنها تتطلب قدرًا من الكرم التأويلي. فرسائل المجلات نوع خاص من الأدلة، فهي تعبّر عن جمهور متعلم وحضري؛ وهي موجهة إلى جمهور متخيَّل من القرّاء المماثلين. من الواضح أنها تسجل عدم الرضا عن المعايير الجندرية؛ أما كونها تشكّل نقدًا نسويًا مترابطًا، فيحتاج إلى السقالة التفسيرية التي تُقيمها كالندر بعناية.

أما خاتمة الكتاب، وعنوانها “الحب، السياسة، والخبز”، فتقوم بوصل حكاية الستينيات بثورة 2011 التي أطاحت ببن علي وأدخلت مصطلح “ثورة الياسمين” إلى المعجم السياسي الغربي. فالانتفاضة جمعت النساء بكثافة في الشوارع، وولّدت حركات نسوية جديدة، وأطلقت أيضًا رد فعل من أحزاب إسلامية تحدّت إرث النسوية الحكومية. تبدو كالندر محقّة في أن فهم 2011 يستدعي فهم تناقضات نسوية الستينيات، الطريقة التي ربطت بها حقوق النساء بالشرعية السلطوية، وجعلت النسوية رهينة للتفضل الرئاسي بدل أن تكون ثمرة نضال سياسي منظم، وهمّشت بشكل منهجي النساء العاملات والريفيات. لكن الطريق من تلك اللحظة إلى الأخرى لا يُرسم بالتفصيل؛ ومن يبحث عن سرد ممتد لكيفية تَشكُّل إرث الستينيات عبر نصف قرنٍ لاحق سيلزمه اللجوء إلى مصادر أخرى.

لكن كل هذه انتقادات ثانوية أمام كتاب بهذا القدر من الإنجاز. تكتب كالندر بأسلوب واضح، بلا زخرفة. وقد أنجزت عملاً هو في آنٍ واحد مساهمة في الأدبيات المتخصصة حول النساء والدولة في العالم العربي، وقطعة من التاريخ الاجتماعي والثقافي ذات أفق مقارن واسع، وحجّة ضمنية حول الشروط التي يمكن فيها ضمان حقوق النساء بشكل متين.

سعدية، التي تموت في الصفحات الأولى حتى يمكن للكتاب أن يبدأ حجّته، هي رمز لذلك المأزق المزدوج، محرَّرة ومُدَمَّرة في الوقت نفسه، بالحداثة ذاتها التي وعدتها بكل شيء ثم لامتها على فشلها. كاتب القصة المصورة، عمر خليفية، واصل لاحقًا صنع أفلام عن النساء تستعير من قاموس الميلودراما المصرية في التضحية والخراب.

إقرأ أيضا
Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.