Skip to main content Scroll Top

«الانضباط المزعج»: الأنثروبولوجيا الاجتماعية في بلاد المغرب

«الأنثروبولوجيا الاجتماعية في العالم العربي: تاريخ مجزأ لتخصص غير مريح»
عبدالله العجمي، دانييل كانتيني، إيرين مافي وعماد المليتي (محررون)، معهد البحث في المغرب المعاصر، 433 صفحة.

ثمة نوع خاص من الشجاعة الفكرية يستلزمه الكتابة بصدق عن الشروط التي ينتج فيها المرء معرفته الخاصة. عن القوى التي شكّلت ما نزعم معرفته؛ والاختلالات القوى المضمّنة في مناهجنا؛ والرسوخ الاستعماري الذي لا يزال مستقراً في مفاهيمنا. معظم التخصصات تُفضّل تجنّب ذلك. أما الأنثروبولوجيا، فقد اضطُرّت إلى مواجهته على مدى نصف قرن على الأقل — وإن بدرجات متفاوتة من الرسوخ والانزعاج — وهذا الاضطرار، بكل توتراته الحيّة وغير المحسومة، هو ما يُحرّك هذا المؤلَّف الجماعي الكبير الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن معهد البحث في المغرب المعاصر بتونس:” الأنثروبولوجيا الاجتماعية في العالم العربي: تاريخ مجزأ لتخصص غير مريح”.

ولد الكتاب من رحم ندوة عُقدت في معهد الشرق ببيروت في أفريل 2023، بتمويل من برنامج البحث التابع لمؤسسة فولكسفاغن، ونظّمها أربعة محررين يعملون في مجموعة من المؤسسات تمتد بين الكويت وبرلين ولوزان وتونس. وقد صدر الأصل الإنجليزي عام 2025 عن دار نشر بيرغان بعنوان *Social Anthropology in the Arab World: The Fragmented History of an Uncomfortable Discipline*؛ وصدرت الترجمة الفرنسية في فيفري 2026، على أن تعقبها نسخة عربية قيد الإعداد.

مواجهة الأزمة

يُشخّص الكتاب انزعاجاً ذا طابع تاريخي ومؤسسي وسياسي وابستيمولوجي في آنٍ واحد. فقد وصلت الأنثروبولوجيا إلى ما يُعرف اليوم بالعالم العربي بوصفها أداةً في خدمة الإدارة الاستعمارية. فقد رسم علماء الاجتماع والإثنوغرافيون الفرنسيون خرائط القرى القبائلية، وصنّفوا أنساب البربر، وأحصوا القبائل المغربية — لا لأنهم كانوا ملتزمين بفهم الإنسان بمعناه الكوني، بل لأن المعرفة كانت قوة، والقوة تستدعي الخرائط. وعملت التقاليد البريطانية والإيطالية بالمنطق ذاته في مناطق نفوذها. هذا ليس جديداً: فقد حرّر طلال أسد كتاب “الأنثروبولوجيا واللقاء الاستعماري” عام 1973، وما انفكّ الحساب مع ذلك اللقاء قائماً حتى اليوم. غير أن ما يميّز هذا المؤلَّف هو رفضه معالجة الإرث الاستعماري بوصفه ملفاً مغلقاً يكفي إدانته طقوسياً أو تجاوزه بصمت، مُصرّاً بدلاً من ذلك على تتبّع الأثر الحيّ لهذا اللقاء عبر التواريخ المؤسسية الخاصة لكل بلد وإقليم.

الكتاب مقسّم إلى قسمين. يتتبّع القسم الأول التطور المؤسسي للأنثروبولوجيا بوصفها تخصصاً أكاديمياً جامعياً – أو في الأغلب غياب هذا التطور وهامشيتها واستيعابها في علم الاجتماع أو الدراسات الفلكلورية أو قمعها أو ولادتها الجديدة المثيرة للإزعاج – في المغرب العربي والمشرق والخليج. فيما يفحص القسم الثاني التحولات في مواضيع البحث: أنثروبولوجيا الإسلام، والأنثروبولوجيا الحضرية، والهجرة، والنوع الاجتماعي والذاكرة، والأنثروبولوجيا الطبية، والصدمة النفسية، والتصوف. ويربط القسمين مقدمةٌ عامة تمتد نحو ثلاثين صفحة، كتبها المحررون الأربعة بصوت جماعي، وهي من أكثر النصوص بحثاً وصدقاً في رصد التبعية الأكاديمية والهيمنة الابستيمية التي اطلعتُ عليها في السنوات الأخيرة.

تنطلق المقدمة من ملاحظة بسيطة وصاعقة في الوقت ذاته. فأنثروبولوجيا الشرق الأوسط، كما تُعرَّف وتُستعرض في المراجع الأنغلوفونية الكبرىلا تستشهد تقريباً إلا بدراسات مكتوبة بالإنجليزية ومنشورة في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. قد يأتي المؤلفون المستشهَد بهم من شتى أنحاء العالم، إلا أن المعرفة التي ينتجونها تتدفق عبر مؤسسات متمركزة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وتُضفى عليها الشرعية هناك. كثيراً ما يُوظَّف الأنثروبولوجيون المقيمون في الجامعات العربية بوصفهم مُخبرين – بمعنييه المنهجي والانتقاصي – يُتيحون الوصول إلى الميدان، ويترجمون السياقات، ويُيسّرون البحث الميداني، بينما يتراكم التوليف النظري والنشر الدولي في مكان آخر. ويستشهد المحررون، بألم واضح، بملاحظة الراحلة منى عبازة حين رصدت، إبان الربيع العربي، توظيف الباحثين المحليين الممنهج من قِبل الباحثين الأجانب المتنقلين في المنطقة، مع إقصاء تحليلاتهم الخاصة أو تجاهلها.

لكن المحررين حريصون على الإشارة إلى أن هذا الواقع لا يُعزى في معظمه إلى سوء النية من جانب الأكاديميين الغربيين – وإن لم تكن سوء النية منتفيةً كلياً – بل إنه بنيوي في جوهره. فالنشر بالإنجليزية في مجلات مُدرجة في قواعد بيانات Web of Science هو ما يُحسب في ملفات الترقية داخل الجامعات العربية المتزايدة في خضوعها للمعايير النيوليبرالية. كذلك تأتي تمويلات البحث من المؤسسات الأوروبية والأمريكية الشمالية محمّلةً بأولوياتها الموضوعاتية الخاصة – النوع الاجتماعي، والتحول الديمقراطي، والتطرف، والهجرة – التي قد تتطابق أو لا تتطابق مع ما يجده الباحثون الميدانيون ضرورياً على المستوى الفكري. فالجامعات في كثير من العالم العربي تعاني من ضعف حاد في التمويل، وتنصبّ جهودها على التدريس أكثر من البحث، ولا تُوفّر أي دعم مؤسسي يُذكر للعمل الإثنوغرافي الميداني المستدام. ويُلاحظ اثنان من المحررين الأربعة في المقدمة أن السبيل الوحيد للقيام ببحث جاد أثناء التدريس في جامعة عربية هو العمل المستقل، بلا تمويل، وبلا اعتراف رسمي، وبلا مشاركة في مشاريع بحثية أوروبية أو أمريكية. إن البنية التحتية لإنتاج المعرفة ليست محايدة.

المغرب الكبير

ما يُضفي على الفصول الأولى من الكتاب طابعها اللافت هو أنها لا تُعالج هذا الوضع باعتباره ظاهرةً موحّدة. يستهل القسم الأول بمقالتين استعراضيتين للمشهد المؤسسي في المغرب الكبير كتبتهما إيرين مافي عماد المليتي، قبل أن يتنقّل عبر بورتريهات لباحثين بأعيانهم وتقييمات قُطرية لكل من المغرب والجزائر وتونس ومصر، ثم مقالات موضوعاتية عن الخليج. والأنماط التي تتكشّف متباينة تبايناً لافتاً.

ربما يمتلك المغرب أكثر التقاليد الأنثروبولوجية رسوخاً في العالم العربي بعد مصر، وهو ممثَّل هنا عبر مقاربتين متمايزتين. يُسهم لويك لو باب بمقالة رصينة عن فاني كولونا، عالمة الاجتماع الفرنسية التي أمضت قدراً كبيراً من مسيرتها باحثةً في الجزائر، وكانت علاقتها بذلك التاريخ الاستعماري وما أعقبه تتسم بما وصفته هي بالرفض القاطع للتطهير الزائف – أي الإصرار على إمكانية توظيف الأرشيف الاستعماري بصرامة منهجية حتى لو تعذّر توظيفه ببراءة. أما حسن رشيق، أحد أبرز الأنثروبولوجيين المغاربة، فيُسهم بمقالة سيرة ذاتية فكرية استثنائية، يتتبّع فيها مساره من طالب ناشط في كلية الحقوق بالدار البيضاء مطلع السبعينيات، مروراً بانعطافه نحو العلوم الاجتماعية، وعمله الميداني المبكر في مسائل الذبح الطقسي والعلاقات القبلية بالأطلس الكبير، وصولاً إلى انشغاله الطويل بمسألة تخليص الممارسة الأنثروبولوجية من آثار الاستعمار دون الانزلاق إلى إما النقاء الوضعاني المتكلَّف وإما الاكتفاء بالتهليل القومي.

مقالة رشيق هي الأكثر كشفاً عن الذات في الكتاب بأسره، وتستحق التأمل. يصف وصوله إلى الأنثروبولوجيا بصورة ملتوية: عبر شهادة في القانون كانت مُعدّة لتخريج موظفين حكوميين، ومن خلال ثماني سنوات قضاها ناشطاً في نادٍ سينمائي تعلّم فيه قراءة الأفلام بعدسة العالم الثالث، قبل أن يكتشف أن التفكير الرصين يستلزم ما هو أعمق من الالتزام الأيديولوجي، ثم عبر حلقات دراسية مع برونو إتيان أطلعته على فيبر ودوركهايم وعلى فكرة الباحث بوصفه فاعلاً اجتماعياً محدداً. وفي أول بطاقة أعمال طبعها عام 1991، قدّم نفسه كــ “عالم اجتماع” – إذ لم يكن يجرؤ على كتابة “أنثروبولوجي” في بلد لا يزال يقرن هذا اللقب بالإثنوغرافيا الاستعمارية للمكتب العسكري لشؤون السكان الأهليين. وبعد ثلاث سنوات فحسب، كان أستاذاً زائراً في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة برينستون.

تتضاعف المفارقات وتتعمق. فقد اشتغل رشيق بالطقس القبلي في لحظة كان التمسك بالوحدة الوطنية المغربية يستوجب تهميش بعينه للمقولة القبلية. وكان يمارس البحث الميداني حين كان زملاؤه يعدّونه ضرباً من السذاجة أو صنيعةً استعمارية. وكان يُطوّر تحليلاً يُمركز الفاعل الاجتماعي في دراسة التغير – مستنداً إلى ريمون بودون وسوسيولوجيا التفاعلية – في وقت كان الشمولية البنيوية الوظيفية لا تزال سائدة. والمقالة المقدَّمة هنا هي في جزء منها سرد منهجي للذات (مفهوم “الوضعية الإثنوغرافية للباحث” الذي طوّره أداةً تحليلية لدراسة الممارسة الأنثروبولوجية الاستعمارية وما تلاها) وفي جزء آخر منها تأمل في معنى دراسة مجتمعك الخاص، أن تكون في الوقت ذاته مراقِباً ومُراقَباً، في سياق يكون فيه التخصص ذاته ملتبساً ومتنازَعاً عليه.

أما فصل فدمة آيت موس ومحمد سموني عن عبد الله حمودي فيتسم بنبرة أكثر نقدية. يعتبر حمودي أكثر الأنثروبولوجيين المغاربة حضوراً دولياً – كتابه ”الشيخ والمريد” (1997) عن الأسس الثقافية للسلطوية السياسية استُقبل على نطاق واسع بالإنجليزية، وبلغ ‘موسم في مكة’ (2005) جمهوراً فرانكفونياً رحباً. وفي السنوات الأخيرة نشر، بالعربية، مشروعاً يسمّيه “نحو أنثروبولوجيا عربية”، مستحضراً الكتابة العربية ما قبل الحديثة – ولا سيما العالم الموسوعي الإسلامي أبا الريحان البيروني في القرن الحادي عشر – ليقترح ابستيمولوجيا بديلة للعلوم الاجتماعية. تقرأ آيت موس وسموني هذا المشروع بتعاطف ولكن أيضاً بشكوكية لافتة. فمحاولة حمودي التوفيق بين “النقد المزدوج” عند عبد الكبير الخطيبي والتاريخانية عند عبد الله العروي هي، في تقديرهما، تسرّع منهجي: فالخطيبي ذاته رأى في تاريخانية العروي سطحيةً فلسفية، والجمع بينهما يُفضي إلى توفيق قسري يطمر التناقضات بدل حلّها. والأكثر إيحاءً أن الباحثَين يُشيران إلى أن استحضار حمودي للبيروني نموذجاً للتغاير غير الاستعماري يتعقّد بإقراره ذاته بأن البيروني كان يكتب خدمةً للغزاة. فهل يمكن انتقاد المعرفة الاستعمارية بالاستناد إلى معرفة أنتجتها غزوة مغايرة؟

هذه توترات فكرية حقيقية، والكتاب في أجلى صوره يتركها دون تسوية. الفصل لا يُصدر حكماً على مشروع حمودي؛ بل يُقدّم تحليلاً. وهذا في الواقع هو المنهج المُعلَن في المقدمة: لا الاحتفاء بالمعرفة الأصلانية في مواجهة المعرفة الغربية، ولا السرد الاستعماري البسيط المقلوب، بل شيء أكثر إزعاجاً،  وهو الاستعداد لفحص كل إنتاج معرفي – بما فيه المعرفة المنتَجة في هذا الكتاب ذاته – في ضوء شروطه المادية وسياقاته اللغوية وقيوده المؤسسية وافتراضاته غير المُصرَّح بها.

المشرق

تُدخل فصول الخليج مشكلات مغايرة كلياً. تتناول لور أساف وماهو سيبيان الوضع المتناقض للأنثروبولوجيا في الكويت والإمارات والدول المجاورة، حيث شكّلت ثروة النفط وهيمنة الحضور الكثيف للعمال المهاجرين من غير المواطنين والجامعات المستوردة للأنثروبولوجيا بوصفها تخصصاً أجنبياً – دون إرساء الشروط اللازمة لتجذّره محلياً – إطارَ التطور المؤسسي لعلم الاجتماع. مقالة سيبيان بالغة الحدة في رصد مفارقات ما يسمّيه التدريس “خارج الساحل” – حضور الأكاديميين الأجانب المُستأجَرين لتدريس الأنثروبولوجيا لطلاب محليين لم يسبق أن التقوا بهذا التخصص، ولديهم أسباب وجيهة للريبة منه نظراً لتاريخه. أما مقالة ماريون بريتو المصاحبة، التي تدور حول تدريس الأنثروبولوجيا في جامعة الكويت بوصفها غير عربية، فتدور حول المفارقة ذاتها من زاوية مغايرة، فالمتخصص غير العربي هو في الوقت نفسه حامل التخصص الملتبس استعمارياً والمحاور الوحيد المتاح لطلاب قد لا يلتقون به البتة في غياب هذا الوضع.

يقدم فصل عبد الله العجمي عن الهجرة والإثنوغرافيا في الخليج أكثر المساهمات جوهريةً في القسم الثاني، إذ يتناول الصعوبات المنهجية والسياسية في دراسة فئة – العمال المهاجرون في دول الخليج – تُشكّل الغالبية العظمى من القوى العاملة بيد أنها تظل مُهمَّشة في الخطاب الرسمي والأطر القانونية والبحث الأكاديمي. تجسد دول الخليج صيغة متطرفة لمشكلة أعمّ، فحدود “العالم العربي” هي بدورها محل خلاف، والعمال المهاجرون من جنوب آسيا وأفريقيا يشكّلون المجتمعات الخليجية بطرق كانت الأنثروبولوجيا بطيئة في التفاعل معها، والأطر الوطنية التي تُنظّم تمويل البحث تُديم إخفاء الناس الذين يقوم اقتصادهم الوطني على أكتافهم. تُمدّد مقالة فرح حلابة حول الإنتاج المعرفي التشاركي والإبداعي في بحوث الهجرة الخليجية هذه الحجة، إذ تستند إلى تجربتها الشخصية في أخلاقيات التأليف المشترك المُعقّد، وإلى مسألة من يتعالى صوته، ومن يُعترف به، ومن تُستوعَب كتاباته.

أما الفصل المصري، الذي شارك في كتابته أمل عبد ربّه ودانييل كانتيني، فيتتبع تخصصاً كان ذا ثقل مؤسسي يُعتدّ به – إذ امتلكت مصر أحد أوائل أقسام الأنثروبولوجيا في العالم العربي – ولكنه جرى تهميشه تدريجياً منذ سبعينيات القرن الماضي، مع تشديد القيود السياسية على العمل الميداني، وهيمنة علم الاجتماع التنموي، وتدفّق الأدمغة نحو مؤسسات الغرب. أما تونس، في رواية إيمد مليطي، فتقدّم قصة أكثر تعقيداً: فُرضت على الأنثروبولوجيا قيود ثم جرى إعادة تأهيلها جزئياً، وفتحت ثورة 2011 آفاقاً فكرية جديدة، وقد استعاد التخصص بعض حضوره المؤسسي، وإن على أسس هشّة. أما الجزائر، في فصل عائشة بنعابد ومحمد مبتول، فتبرز نموذجاً لتخلّف مؤسسي حاد بشكل خاص: فقد عنى ارتباط الأنثروبولوجيا بالإدارة الاستعمارية للسكان الخاضعين أنه بعد الاستقلال عُومل التخصص باعتباره غير قابل للتوافق مع الهوية الوطنية، ولم يتعافَ قط من هذه الضربة.

أما القسم الثاني من الكتاب، المخصص للتحولات الموضوعاتية، فيبدو أقل اتساقاً إلى حدٍّ ما. فصول أنثروبولوجيا الحضر (فرانك مرمييه) وأنثروبولوجيا الإسلام (كانتيني ورشيق) والأنثروبولوجيا الطبية (مافي وسعدية الراضي) مقالات مسحية دقيقة ومفيدة، غير أنها تعمل بالضرورة على مستوى من التجريد يعلو عن دراسات الحالة في القسم الأول. أما فصل الصدمة النفسية (سارة البلبيسي)، الذي يفحص تقاطع الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي في العالم العربي، وفصل أنثروبولوجيا التصوف في المغرب (كاتيا بواسفان)، فهما أكثر تحديداً وسيكون لهما قراء متخصصون. فيما يعد مقال لايلا براغر عن محو المرأة من التراث والتأريخ والهوية الوطنية في الإمارات من أقوى الفصول في هذا القسم، متجذّراً في ملاحظة إثنوغرافية تفصيلية، ومُنبّهاً إلى الآليات التي طُمست بها إسهامات المرأة في الإنتاج المادي والثقافي لمجتمعات الخليج من الذاكرة الرسمية منهجياً.

ويبدو مقال ميريام عاشور، المعنون بـ”السيادة السردية” في الممارسة الأنثروبولوجية، هو الأكثر انخراطاً مباشرةً في الرهانات الابستيمولوجية للكتاب برمّته، إذ يتساءل: هل بمقدور الأنثروبولوجيين العرب استعادة السلطة على تمثيل المجتمعات العربية دون مجرد قلب الهرمية الاستعمارية — أي استبدال المعرفة الداخلية بالمعرفة الخارجية مع إبقاء البنية الأساسية للهيمنة الابستيمية على حالها؟ الجواب الذي تقترحه يكمن في شيء يشبه منهج المقدمة: الانتباه إلى شروط الإنتاج، والإقرار بموقعية كل معرفة، ورفض وهم المعرفة الأصلانية البريئة من جهة، والرضا الكوزموبوليتاني المتهادن من جهة أخرى.

حدود الطرح

للكتاب حدوده، ويُقرّ المحررون بجُلّها بصدق. فالندوة في بيروت جمعت نحو ثلاثين باحثاً، لكن المشرق ممثَّل تمثيلاً ضعيفاً في المجلد الختامي – إذ لم يتمكن عدد من الزملاء الفلسطينيين والسوريين من الحضور أو من إتمام إسهاماتهم بسبب الحروب. والعراق والسودان واليمن غائبون شبه كلياً. والباحثون المقيمون في المؤسسات الأمريكية الشمالية استُبعدوا عمداً، وهو خيار منهجي مبدئي، إلا أنه يعني غياب بعض أبرز الأنثروبولوجيين العرب على الصعيد الدولي. وسياسات الكتاب اللغوية بحد ذاتها تظل منقوصة: فقد صدر أولاً بالإنجليزية ثم بالفرنسية وسيصدر بالعربية ثالثاً – الهرمية التي يُعارضها مُعاد إنتاجها في ترتيب النشر، وإن خُفّفت بالوصول المفتوح.

لكن ما يحققه الكتاب فعلاً ليس شيئاً يسيراً، فهو ضرب من التدقيق الابستيمي. يُثبت، عبر ثمانية عشر فصلاً في تفاصيل دقيقة متضافرة، أن المعرفة الأنثروبولوجية عن العالم العربي قد شكّلتها السلطة بطرق نادراً ما أقرّ بها أمناؤها المؤسسيون الرئيسيون، وأن الباحثين الأنسب موقعاً لتثرية تلك المعرفة وتعقيدها قد هُمّشوا بصورة ممنهجة بفعل البنية التحتية للإنتاج الأكاديمي، وأن النقد ما بعد الاستعماري — مهما كانت قيوده — ليس مجرد موضة بل استجابة لعدم تماثل حقيقي ومستمر. ويُدوّن في ثلاث لغات وبوصول مفتوح أصواتاً ومنظورات كانت ستظل على هامش الوعي الذاتي للتخصص لولاه.

إقرأ أيضا
Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.