Skip to main content Scroll Top

«مجنونة يا قوطة»: إعادة كتاب «تاريخ الطماطم» في المطبخ المصري

«الباذنجان النيلي: تاريخ الطهي المصري للطماطم»
آني غول، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 467 صفحة.

الطماطم، تلك المكوِّن السيادي في المطبخ المصري، ذلك الأحمر الحاضر في كل مكان، في فول المدمس، والكشري والخلطات اللحمية والمحشي ليست مصرية. وهي ليست كذلك على الأقل بأي من المعاني التي يحملها لفظ “مصري” عادة. موطنها الأصلي مرتفعات أمريكا الجنوبية، دُجّنت في أمريكا الوسطى، وحملها الإسبان غربًا كمستعمرين وربما حملها مبحرون من الشعوب الأصلية شرقًا، ثم عبرت البحر الأبيض المتوسط مع الحجاج وربما البحر الأحمر مع التجار المسلمين العائدين من الحج. وفي غضون بضعة أجيال، أصبحت أكثر المحاصيل البستانية زراعة في مصر، والركيزة الخفية للهوية الغذائية القومية الحديثة. هذه المفارقة في كون أكثر الأطعمة مصرية هي من أقلها مصرية أصلًا تمثل آلية منهجية لكتاب آني غول ” الباذنجان النيلي: تاريخ الطهي المصري للطماطم”.

ينتمي الكتاب إلى جنس تاريخ السلع، لكنه يفعل ذلك بريبة واعية من ملذات هذا الجنس وافتراضاته. تبدأ غول بجرد نقدي لكتب الطماطم التي سبقت عملها – تذكر ديفيد جنتلكور، وباري إستابروك، وديبورا بارنت – وتجد معظمها قاصرًا لا بسبب ما يقوله، بل بسبب أين ينظر. فالسرد المسيطر لتاريخ الطماطم في معظم الدراسات يبدأ بلحظة “الاكتشاف الأوروبي” وينطلق منها نحو المستهلكين الأوروبيين والأمريكيين، مانحًا شعوب أمريكا الوسطى التي دجّنت النبات وطوّرت أنواعه عبر آلاف السنين فقرةً يتيمة قبل أن ينتقل إلى “صلصة المعكرونة النابوليتانية” بوصفها الجديرة بالاهتمام الحقيقي. تدخل غول يتمثل في اختيار نقطة انطلاق مختلفة تمامًا – محليّة وعالمية في آن – أكثر تنبّهًا للتعدد وأقل تعلقًا بانتصارات السرديات الأوروبية. ففي 2021، كانت ست دول من أكبر عشر منتجة للطماطم خارج أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، هي الصين، والهند، وتركيا، والبرازيل، ونيجيريا، ومصر. لم تسافر الطماطم إلى أوروبا مؤقتًا ثم إلى بقية العالم، بل تنقّلت بانفتاح عبر مسارات ترفض الكتابات الأوروبية الاعتراف بمرجعيتها.

من المكسيك إلى مصر

يحكم هذا الإصرار على إعادة التوجيه الفصلَ الأكثر أصالة في الكتاب، “مسارات الطماطم: من المكسيك إلى مصر”، وهو تمرين ممتد في التاريخ الافتراضي الخلّاق. تعترف غول بحدود الأرشيف، فأول مصدر مؤكد لوجود الطماطم في مصر هو قائمة بالنباتات وُضعت عقب حملة نابليون عام 1798، مما يضع تاريخ دخولها ضمن نافذة زمنية قدرها 280 عامًا بين الغزو الإسباني للمكسيك والاحتلال الفرنسي لمصر. لا براعة أرشيفية يمكن أن تسد هذه الفجوة، لذا تفعل غول ما هو أكثر إثارة للاهتمام، فتقوم بتتبع مسارات متعددة محتملة -عبر المتوسط، والبحر الأحمر، والحجاج المغاربة، وشبكات التجار السفارديم، ومسارات المحيط الهندي – وتتركها مفتوحة جميعًا. يضاعف الفصل بذلك من إعادة النظر في الهوية الجغرافية لمصر: لِمَ تُصوَّر مصر في المخيال في “الشرق الأوسط” لا في إفريقيا؟ ولم تُربط بالمشرق دون المغرب؟ الطماطم، التي ربما دخلت من جهات عدة في آن، تصبح أداة لتقويض هذه التصنيفات المترسخة ظاهريًا.

الأطباق التي تستخدمها غول كرفيقتين سرديتين في هذا الفصل – الشكشوكة والكشري – اختيارات ملهمة. فكلاهما مصري حتى الصميم اليوم، ولا أصل لأي منهما في مصر. الشكشوكة، وهي بيض مطبوخ في صلصة طماطم، جاءت على الأرجح من المغرب العربي. أما الكشري، ذلك الطبق المتعدد الطبقات من أرز وعدس ومكرونة وصلصة طماطم وبصل مقلي، رمز المطبخ الشعبي الوطني، فله أصوله في طبق هندي هو ”الخيتشري”، الذي تتبّعه سامي زبيدة عبر بغداد وموانئ بحر العرب قبل الاحتلال البريطاني الذي يُنسب إليه – خطأً – إدخاله إلى مصر. وتعثر غول على أقدم وصفة مطبوعة للكشري في كتاب طبخ عام 1934، بلا طماطم ولا مكرونة – ما يوحي بأن الطبق في بدايته كان أقرب إلى نظيره الآسيوي العربي، وأن الطماطم أضيفت لاحقًا في مرحلة لاحقة غير محددة بعد. هذا يعبّر عن نهج غول عامة، من أن غياب الدليل لا يعني الجهل، بل يفتح إمكانات متعددة، ويصرّ على أن إسناد إدخال الأطعمة “الحديثة” إلى الفاعلين الأوروبيين هو بناء تاريخي يستحق النقد بذاته.

الهيكل النظري للكتاب يقوم على مفهومين أساسين – “العموم الطهوي” و”سيادة المطبخ” – تستمدهما غول من منظّرين معروفين (مايكل وارنر وبندكت أندرسون في نظرية العموم، أنيتا مانور حول “العموم الأكلوي”، وآمي كابلان في المعنى المزدوج لـ “المنزلي”). لكنها تطبّقها باقتصاد ملحوظ. فالعموم الطهوي كيان يتشكل عبر الخبرة المشتركة في الطبخ والأكل، بما في ذلك المزارعون والموزعون؛ ليس قوميًا خالصًا ولا اختزالًا في مؤسسات الدولة، يتكوّن من الحميمي كما من الجمعي، ومن إحساس الجسد بالمطبخ المنزلي كما من خطاب كتب الطبخ القومية. أمّا “سيادة المطبخ” فهي السلطة المنزلية الممنوحة نظريًا لربّات البيوت والممارسة فعليًا من الطهاة، وهي سلطة ليست تحفظية بل مُنتِجة قادرة على توليد أشكال وممارسات طهوية تُسائل – كما تؤكّد – ما تفرضه الدولة وثقافة النخبة..

قوطة أم طماطم؟

الفصل الثاني، “كيف تقول طماطم بالمصرية؟”، هو ربما الأشد ابتكارًا شكليًا في الكتاب، إذ ينظّم تاريخ دمج الطماطم في المطبخ المصري حول ثلاث كلمات: ”قوطة”، و”طماطم”، و”صلصة”. “قوطة” كلمة عميقة الجذور في العربية المصرية، يُرجَّح أن أصلها القبطي ”أوته” (بمعنى الثمرة أو المحصول)، وكانت تشير في الأصل إلى الباذنجان الإفريقي (*Solanum aethiopicum*)، وهو من فصيلة الباذنجانيات ذات الثمرة المستديرة المحمرة، ما جعل المصريين يدركون القرابة النباتية عندما ظهرت الطماطم. أن يسمّوا الوافدة الجديدة “باذنجان أحمر” (باذنجان القوطة) ثم يختصرونها إلى “قوطة” يدل على استعداد معرفي دمج الطماطم. أما “طماطم” فهي الكلمة العربية الفصحى الأعم، المشتقة من الـ “توماتل” الناهواتلية والتي وصلت عبر الإسبانية وغيرها، ثم أصبحت معيار الكتابة العربية. أما “صلصة” فهي في الاستخدام المصري الحديث تشير حصريًا إلى معجون الطماطم، وهي تحيل، كما تبيّن غول، إلى صناعة ظهرت في الثلاثينيات والأربعينيات بتضافر استثمارات إيطالية ودعم مصري لإنشاء قطاع تصنيع محلي للطماطم.

لكن التحقيق اللغوي يتجاوز الفيلولوجيا الصرفة. فاختيار المصري لكلمة “قوطة” أو “طماطم” ما يزال مجال معنى اجتماعي. “قوطة” مقابل “طماطم” ترسم فروقًا بين القاهرة والريف، وبين القديم والجديد، وبين العامية والتهذيب، لكنها فروق لا تستقر، إذ لا يقدّم مصريان التفسير نفسه للفارق. المحادثات التي تسجلها غول – مع امرأة وُلدت عام 1962 تراها كلمة “قوطة” قديمة، وأخرى من الجيل التالي تندب تمسك بنات أخواتها بكلمة “طماطم” — تحمل في طياتها وزنًا يتجاوز طولها، فالطماطم والمفردات المتبادلة حولها تشكّل جزءًا مما تصفه غول بـ”عالم البديهيات المشتركة” الذي يصنع جمهورًا متماسكًا بأنواع القرب الحسية والوجدانية رغم الاختلاف.

الفصل الثالث، “مجنونة يا قوطة: الطماطم كشكوى”، هو الأكثر سياسيّة وثقةً في الانتقال بين المستويات. صرخة الباعة – “مجنونة يا طماطم” – التي تستعمل منذ الخمسينيات للإعلان عن البضاعة والتنبيه إلى تقلب أسعارها، تصبح خيطًا يستقصي سياسات مصر الغذائية بعد الحرب، من محاولات الدولة المضطربة لضبط الأسعار في ظل انتفاضة الخبز عام 1977، وتقلب الأسعار خلال الحرب العالمية الثانية حين ارتفع سعر الطماطم في القاهرة بنسبة 700% ما بين 1939 و1942، والتحولات التدريجية في استهلاك الفرد إذ انتقلت الطماطم من ترف إلى سلعة رئيسية في منتصف القرن العشرين. ما يمنح هذا الفصل عمقه يتجاوز سياسة الزراعة إلى قراءة الثقافة الشعبية،  فالصرخة نفسها، فيلم مصري من الحقبة ذاتها، وشعر احتجاجي. تستدعي غول إطار جيمس سكوت للمقاومة اليومية دون أن تتبناه تمامًا، مفضّلة التحدث عن “نقد شعبي لسلطة الدولة وتكرار روتيني للشكاوى” كمنطقة وسطى بين الرضا والثورة. حيث الطماطم، غير المدعومة في اقتصاد يدعم الخبز، تظل دائمًا على تخوم قدرة الدولة وتكشف طبيعة هذا المجال السياسي الوسيط.

يتجه القسم  الثاني من الكتاب إلى الداخل، إلى المطبخ المنزلي. حيث يتتبع الفصل الرابع كتب الطبخ المنزلية بين الثلاثينيات والسبعينيات ليكشف صياغات متنافسة للوطنية داخل المطبخ. هذه الكتب، التي وضعتها نساء لنساء، سعت إلى تعريف ذائقة “مصرية خالصة” تجمع بين المحلي والعثماني والإيطالي، وتؤسس تقاليد للطهو الحديث المندمج مع “الأصالة”، حيث تقوم صلصة الطماطم بدور الرابط بين التقنيات الأوروبية (مثل دخول البشاميل عبر هذه النصوص) والمذاق المحلي. المطبخ الحديث يُقدَّم كخدمة وطنية، فهو إطعام الأمة بما هو حديث ومصري معًا. لكن المفارقة أن هذا المشروع اعتمد على عمل منزلي غير مدفوع الأجر وغير معترف به – خصوصًا لعاملات المنازل النوبـيات المهجّرات بفعل السدود ذاتها التي مكّنت زراعة الطماطم في شمال مصر – وهي مفارقة ترصدها غول بدقة.

يتابع الفصلان الخامس والسادس مسار الطماطم إلى الممارسة. يركّز الخامس على تقنية “التسبيكة”، أي طهي المكونات في قاعدة من صلصة الطماطم مع السمن غالبًا، والتي أصبحت أسلوب الطبخ المنزلي المصري السائد في القرن العشرين. تصف غول هذه التقنية من خلال المقابلات الدقيقة مع النساء (مواليد 1940–1970) في القاهرة والإسكندرية وهو من أجمل مقاطع الكتاب، إذ تنقل الطريقة والحركة والرائحة، وحتى الإيماءات لا الوصفات فقط. هذا “الأرشيف الجسدي” للمعرفة، كما تسميه، لا تسجله الوثائق بل ينتقل بالحواس والممارسة. تعترف غول بانحياز العينة حضريًا واجتماعيًا لكنها تجادل بأن هذا ما يضيء الفارق بين كتب الطبخ الرسمية والممارسة اليومية، فالطباخات يتعلّمن ويعدّلن ويُبدعن طعمًا مصريًا خاصًا بهن بقدر ما هو وطني.

أما الفصل الأخير، “الطبيخ الأحمر، الطبيخ الأخضر”، فيستكمل الحجة عبر البامية، وهي نبات مصري أصيل أُدرج في الطبخ المحلي قبل الطماطم بقرون. يدرس هذا الفصل ما حدث حين أصبحت الطماطم المادة الأساسية لطهي البامية، فـ”الطبيخ الأحمر” يشير إلى الطبخ الحديث مع صلصة الطماطم، أما ”الطبيخ الأخضر” فيشير إلى الوصفات الأقدم الخالية منها والتي تراجعت في الذاكرة الجمعيّة مع صعود التسبيكة. كما أن بقاء هذه الوصفات عند الجماعات المنحدرة من صعيد مصر والنوبة، أي على هامش العموم الطهوي الوطني، يمثل لمسة بنائية أنيقة، فكل “مطبخ قومي” يُصنع في مواجهة آخر، وتجانسه الدلالي نتاج استبعاد جزئي لا يكتمل أبدًا.

منهجياً، تمتاز غول بشفافية لافتة. تعي أن مقابلاتها تمثل شريحة ضيقة – نساء حضريات من الطبقة الوسطى في حقبة محددة قبل دخول التلفزيون والإنترنت بوصفهما قنوات لنقل المعرفة المطبخية – ولا تدعي غير ذلك. تستعين بمفهوم ريموند ويليامز عن “بُنى الإحساس”، رغم ابتذاله النسبي، وتستخدمه بحذر، كما تستند إلى أعمال ناديا سيريميتاكيس عن الذاكرة الحسية والزوال التاريخي للأثر. أما التمييز بين العربية الفصحى والعامية عبر “طماطم” و”قوطة” فيفتح على تأمل أوسع في الازدواج اللغوي والإنتاج الثقافي العربي، لكن غول تحرص على ألا تتجاوز أدلتها نحو التعميم المرسل.

لكن يمكن الإشارة إلى بعض الثغرات الصغيرة، لاسيما تركيز الكتاب على القاهرة والإسكندرية حيث يجعل مدن الصعيد والدلتا والريف تظهر فقط كخلفية، وهو ما توضح الكاتبة أسبابه. كما أن تاريخ الصناعة التحويلية للطماطم، رغم التناول الجزئي له، كان يمكن أن يُمدّ في الفصول المنزلية لبحث أثر المعلبات فعلاً في أساليب الطبخ. كذلك يبقى التاريخ السياسي لحقبة عبد الناصر سريع الإيقاع في بعض مقاطع الكتاب ممّا يترك القارئ راغبًا في مزيد من التفصيل. لكن ما يُنجزه كتاب غول فعلاً، ويجعله فريدًا، هو رفضه الغاية الغائية المعتادة في تواريخ السلع. فعادةً تسير تلك الكتب نحو خاتمة – انتصار أو انحطاط المادة – أو عبر درس كبير عن “العالم الحديث”. أما سرد غول فأكثر صبرًا وصدقًا. خاتمتها، “كيف أصبحت الطماطم مصرية”، لا تمنح إجابة حاسمة بل صورة لتفاعلات مستمرة ومتباينة بين الاستيعاب والإقصاء، والتكوين اللغوي والحسي للجماعة، والعمل المنزلي الذي هو خاضع ومنتِج في آن. لم تغيّر الطماطم مصر؛ مصر هي التي جعلت الطماطم مصرية – ببطء، وبجهد، وبعمل متراكم من المزارعين والباعة والطهاة ومؤلفي كتب الطبخ والموظفين والمهاجرين، كثير منهم نساء، كثير منهم نوبيون، وأكثرهم غائب عن السجل الرسمي.

إقرأ أيضا
Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.