Skip to main content Scroll Top

«أصوات الشوارع»: الاستماع إلى الحياة اليومية في مصر الحديثة

«أصوات الشوارع»: الاستماع إلى الحياة اليومية في مصر الحديثة

في ربيع عام 1928، توجّه طاقم من شركة فوكس موفيتون الأمريكية إلى القاهرة مزوّداً بميكروفون ضخم على حامله المعدني، ووضعه على قارعة شارع المعز في حي الحسين. ما التقطه الميكروفون كان زخّات صوتية من حياة يومية لا تعبأ بالتوثيق: صراخ بائع البوظة وهو ينادي زبائنه، صرير أبواب حوانيت النحاس، زمارة سيارة لا تتوقف عن النفير طوال خمسة وعشرين ثانية متواصلة، أصوات مساجلات مرحة بين فتيان المحلة وصدى الخيل على الحجارة المرصوفة. هذا الشريط الصوتي النادر هو ما يجعل زياد فهمي، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة كورنيل، يشعر بشيء من النعمة حين يستحضره في كتابه، إذ إن جُلّ ما يعمل به المؤرخون لا يتضمن الصوت مباشرةً، بل يضطرون إلى “استنطاق” الأرشيفات الصامتة لسماع ما لم يسجَّل قط.

“أصوات الشوارع: الاستماع إلى الحياة اليومية في مصر الحديثة”،  كتاب استثنائي بكل المقاييس الأكاديمية. فهو أول دراسة تاريخية منهجية تتناول المشهد الصوتي في مصر الحديثة، مسلّطاً الضوء على الحقبة الممتدة من النصف الثاني للقرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، أي تلك الأعوام التي شهدت تحولات تقنية وبنية تحتية مذهلة، مثل الترام، والسيارة، والكهرباء، والميكروفون، والمذياع. لكنه ليس تاريخاً للتقنية وحدها؛ فالنقطة التي يصوّب إليها فهمي بصره – أو ربما أذنيه – هي تلك الصراعات الطبقية والسياسية التي نشبت حول تعريف ما هو “ضوضاء” وما هو “صوت مقبول”، ومن يملك حق البقاء مسموعاً في الفضاء العام.

يفتتح فهمي كتابه بمقدمة شخصية، وصفاً طفولته في الإسكندرية في الفترة بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، نقلاً صوراً عن الدق الإيقاعي لسجاد الجيران المُنظَّف بالمضرب الخوصي، ونداء بائع الفول بعبارة “لوز يا فول” التي استغرقه سنوات ليدرك معناها، ورنين جرس بائع الحليب على دراجته. حين هاجر مع عائلته إلى نيوجيرسي وهو في الحادية عشرة، لم تختفِ أصوات الشوارع بل تبدّلت نحو أجراس سيارة الآيسكريم محل نداء “البيكيا”، وعواصف رعدية لم يكن يعرف لها مثيلاً في الإسكندرية. هذه الذاكرة الصوتية المزدوجة – المحلية والمهجرية، الألفة والغرابة – هي التي تجعله خصيم الصمت الأرشيفي الملائم. فالكتاب ثمرة عمل ميداني أرشيفي امتد لأكثر من سبع سنوات، شمل دار الوثائق القومية المصرية، والمكتبة الوطنية المصرية، والأرشيف الوطني البريطاني في لندن. كما تعامل فهمي مع الصحف اليومية كـ”الأهرام” والمجلات الشعبية، إضافةً إلى المذكرات والرسائل الشخصية ومراسلات وزارة الداخلية ومحاضر الشرطة.

يواجه فهمي في مقدمته العلمية المطوّلة ذلك الميل الهائل في الكتابة التاريخية إلى تفضيل البصر على الأذن. الحداثة وفق التأريخ السائد تُرى ولا تُسمع، فهي عبارة عن خرائط ولوحات وصور وإحصاءات. حتى ميشيل فوكو، الذي بنى أعظم صروحه النظرية على فكرة المراقبة والرقابة البصرية عبر مفهوم “البانوبتيكون”، تجاهل – كما يلاحظ فهمي- أن جيريمي بينثام نفسه حين صمّم سجنه الدائري المثالي، كان قد أضاف إليه “أنابيب للاستماع” لمراقبة السجناء صوتياً. التجاهل الفوكوي هذا لم يكن بريئاً، فهو يعكس ذلك التحيّز الثقافي الغربي الأعمق تجاه الرؤية بوصفها مصدر المعرفة والسيطرة، في حين يُهمَّش السماع بوصفه حاسة “ثانوية” أو “بدائية”. لكن الانعطافة النقدية التي يقترحها فهمي ليست مجرد دعوة لتذكّر أن الناس كانوا يسمعون في الماضي. إنها أعمق من ذلك، فهي أصوات الفضاء العام – من نداءات الباعة إلى أصوات الترامواي إلى عزف الفرق النحاسية في المواكب – وهي أدلة على من حقّ له البقاء في الشارع، ومن جرى تهميشه وإسكاته، ومن تبنّى خطاباً “حضارياً” لمطالبة الطبقات الفقيرة بالصمت. وهذا هو جوهر المشروع النظري للكتاب، فهو إعادة اكتشاف التاريخ الاجتماعي المصري من خلال السياسات الصوتية.

من يملك الشارع

يُقسَّم الكتاب إلى ثلاثة أقسام متمايزة يضم كل منها فصلين. يتناول القسم الأول الأصوات اليومية “العادية” للشوارع المصرية وما تكشفه عن الصراع غير المُعلَن على ملكية الفضاء العام. الفصل الأول، “المشي في المدينة: أصوات الشوارع والحركة والحياة اليومية”، يبدأ من الجسد ذاته. كيف تبدو امرأة تمشي في القاهرة في مطلع القرن العشرين؟ صوت أساور ذراعيها، وخلخال كاحلها – وهو صوت يحمل دلالات اجتماعية معقدة في الفضاء العام. هل الصوت الصادر عن الجسد فعل اجتماعي؟. يقرأ فهمي مصادره مستمعاً إليها، ذلك الوصف الذي ورد في مذكرات إحدى الكاتبات المصريات عن صوت باعة الجوافة والخوخ وهم يصدحون بوصف بضاعتهم بأصوات مُستَنبطة وكادت أن تكون موسيقية. المدينة بهذا المعنى تمثل أداءً صوتياً دائماً تُعزف فيه كل طبقة اجتماعية نغمتها الخاصة.

يستوقف فهمي طويلاً أمام ظاهرة “الفيلم الصوتي النادر” الذي صوّرته شركة فوكس موفيتون عام 1928 في حيّ الحسين، المكون من مشاهد خام لم تُذَع يومها، والتُقطت بشيء من الخفاء أو الارتجال في قلب القاهرة التاريخية. صوت الزمارة المتواصل خمسة وعشرين ثانية يد السائق عليها لا تتركها، والجدل المرح بين الدليل السياحي والمارة، وصوت طرق الأواني النحاسية – كل هذا يوفّر ما لا يستطيع الأرشيف المكتوب توفيره. لكن فهمي يعود في جُلّ فصوله إلى المصادر النصية التقليدية – الصحف، والتقارير الإدارية، والمذكرات – مُستخرجاً منها ما يُعادل تجربة السمع. وهو يستأنس بمنطق معقول، فكتّاب الماضي لم يكتبوا بالعيون وحدها، بل كانوا يوثّقون ما رأوه وسمعوه ولمسوه وشمّوه معاً. واستعادة تلك الطبقة السمعية من النص هي الوفاء للمصدر في كامل حضوره الحسي.

أما الفصل الثاني، “إسكات الشوارع: الطبقية والخوف من الحشود وتنظيم الأصوات والأجساد”، هو الفصل الأكثر ثراءً في الكتاب. يتتبّع فهمي هنا كيف سعت كل من الحكومة المصرية والطبقة الوسطى الصاعدة والمستعمر البريطاني إلى تقنين الضجيج في الشوارع. وكان المقصود “تقنينه” حرفياً، مثل قوانين التسول، ولوائح الباعة الجائلين، وقوانين التشرد. تكشف أرقام وزارة الداخلية لعام 1922 من قسم شرطة عابدين وحده عن 2398 مخالفة صادرة بحق الباعة الجائلين في سنة واحدة – مقارنةً بـ535 مخالفة للتشرد، و448 للتسول. والباعة الجائلون، أي حُماة الاقتصاد الشعبي والصوت الحيّ للشارع المصري، كانوا في صدارة قائمة المطرودين من الفضاء العام. لكن ما يجعل هذا الفصل مزعجاً – بالمعنى الإيجابي للكلمة – هو الكاريكاتير الصادم الذي يستحضره فهمي من غلاف مجلة “الاثنين” في ديسمبر 1934. يصوّر الكاريكاتير عائلة فلاحية من صعيد مصر أمام قفص القردة في حديقة الحيوانات، بينما يسألها أحد الشمبانزي: “لماذا لا تدخلون إلينا؟”. هذا التصوير الفج لتشبيه الفقراء بالقردة ليس شذوذاً في المشهد الإعلامي، بل هو، كما يُثبت فهمي، نمط متكرر في الصحافة المصرية السائدة في ذلك الحين، تلك الصحافة التي كانت تنادي بـ”الحضارة” و”التهذيب” بينما تُقصي أصحاب الأصوات الأكثر صخباً وأقل تنميقاً من حق الحضور.

أصوات الحداثة

يفتح القسم الثاني أبواباً مختلفة. يتناول الفصل الثالث، “الطرق والسكك الحديدية: المرور الحديث والتأثير الحسي والاجتماعي للترام والسيارات”، تلك القفزة الصوتية الكبرى التي أحدثتها الترامات والسيارات في المدن المصرية. يستعين المؤلف بجداول إحصائية دقيقة – عدد الترامات الكهربائية في القاهرة والإسكندرية بين 1899 و1950، وعدد السيارات المسجّلة بين 1904 و1921 – لكنه لا يكتفي بذلك؛ يسأل: كيف غيّر الترام الإيقاع الزمني للعمال والتجار؟ كيف تفاعل سكان المدينة مع صوت التنبيه المعدني الذي فرض عليهم سرعة جديدة لم يكونوا مستعدين لها؟ والأهم: كيف بدأت الدولة في تنظيم أصوات السيارات بعد أن تبيّن لها أن بوق السيارة – ذلك الصوت الذي كان السائق في فيلم 1928 يضغط عليه باستمرار – بات مصدر إزعاج اجتماعي لا يُطاق؟ هنا يتجلّى أحد أكثر المفارقات لفتاً للانتباه في الكتاب، وهي أن الأصوات التكنولوجية “الحديثة” كأبواق السيارات وصفير الترام استُقبلت أولاً باعتبارها علامات مرحبة بها للتقدم، ثم سرعان ما صارت ضجيجاً مزعجاً يستوجب التقنين، في حين ظلت أصوات الطبقات الشعبية – نداء الفلاح وصرخة الباعة ورنّة الأساور –  تُحارَب باعتبارها “فوضى” و”تخلفاً” من قبل وبعد.

في الفصل الرابع، “مشهد الحداثة الصوتي: الكهرباء والأضواء وأصوات الحياة الليلية”، يطرح فهمي فكرة بديهية لكنها نادراً ما تُؤطَّر تاريخياً، وهي أن الكهرباء لم تُغيّر فحسب ما يُرى ليلاً، بل غيّرت أيضاً ما يُسمع. قبل الكهرباء، كانت أحياء القاهرة تُقفل أبوابها الخشبية مع حلول الظلام وتسكن. لكن مع انتشار الإنارة الكهربائية، نشأت حياة ليلية منتظمة، من خلال مقاهٍ لم تعد تُغلق، وملاهٍ وكازينوهات وسينمات، وكل هذا يعني أصواتاً جديدة في ساعات كانت صامتة. ويمضي فهمي في تتبع هذا التحول الصوتي بدقة مدهشة، مستعيناً بإحصاءات يبدو أنه أمضى وقتاً طويلاً في استخراجها من الأرشيفات، توثق أعداد المقاهي والمطاعم والملاهي في مصر بين 1937 و1947، وأعداد ومواقع دور السينما الكبرى في القاهرة نحو عام 1950.

ويُفرد القسم الثالث مكانة خاصة لما يسميه فهمي “المشهد الصوتي العام”، أي تلك المناسبات الكبرى التي تُملأ فيها الشوارع بأصوات منظّمة — أو تسعى الدولة والمجتمع إلى تنظيمها. في الفصل الخامس، “أصوات الأفراح والجنازات: من الفرق النحاسية إلى النواح والزغاريد”، يكشف الكاتب عن الأبعاد الصوتية للمواكب والمراسم الشعبية المصرية. فقد كان موكب الزواج بعزفه وزغاريده وطبله لم يكن مجرد احتفال؛ إعلاناً صوتياً عن الوجود الاجتماعي للأسرة في الحي، وفعلاً من أفعال المطالبة بالفضاء العام. أما الجنازة بنواحها العلني المرتفع ومرثياتها فكانت تُؤدّي وظيفة مماثلة. والأهم أن كلا المناسبتين استقطبتا هجوماً مزدوجاً من المحافظين الإسلاميين الذين رأوا في الضجيج الاحتفالي انحرافاً دينياً، ومن العلمانيين المتحدّثين باسم “الحضارة” الأوروبية الذين رأوا فيه نقيضاً للتحضر. يقرأ فهمي هذه الهجمات بعين ناقدة، حيث  لم يكن النقد صوتياً أو جمالياً، بل كان في جوهره طبقياً – رغبة في إخراج الجموع من الشوارع، أو على الأقل في إسكاتها. أما في الفصل السادس، “إسماع صوت سلطة الدولة: المدافع والموسيقى ومكبّرات الصوت”، فيُغيّر الزاوية كلياً، مُتناولاً الدولة المصرية ذاتها بوصفها فاعلاً صوتياً يسعى إلى توطيد سلطته عبر الأصوات. شكلت المدافع المُطلقة إيذاناً بنهاية رمضان، والفرق الموسيقية العسكرية في موالد النبي، والخطابات الملكية المُبثّة عبر مكبّرات الصوت في الشوارع العامة ابتداءً من عام 1936، كلها آليات لاحتلال الفضاء السمعي العام بأصوات الشرعية الرسمية. يعقد فهمي مقارنات ذكية بين هذه الاستخدامات الصوتية للسلطة وبين ما يعرفه القارئ من سياقات مماثلة، مثل الراديو الفاشي في أوروبا، والإعلانات الصوتية في الشوارع الاستعمارية في أفريقيا. لكنه حريص على أن تحافظ الحالة المصرية على خصوصيتها.

من أكثر الأقسام عمقاً في الكتاب ذلك المقطع الفلسفي الذي يناقش فيه فهمي ما يسميه “الشاهد السمعي” مقابل الشاهد البصري المألوف في كتابة التاريخ. يدفع الكتاب بقوة بأن الاعتراض الشائع على كتابة التاريخ الصوتي – أن الصوت عابر وزائل بطبيعته خلافاً للوثيقة المكتوبة – يقوم على مغالطة فلسفية. فالوثيقة المكتوبة ذاتها لا تُعطينا الحدث، بل ذاكرة مُصفّاة عنه، فالكاتب الذي وصف مظاهرة أو موكباً أو سوقاً كان يُرتّب ذاكرته الحسية المتعددة – البصرية والسمعية والشمية – ثم يُفرغ منها على الورق ما اختار إفراغه. ومهمة المؤرخ الحسّي أن يُعيد إليها ما أسقطه التسريد التقليدي. هذا المنهج يعني عملياً أن فهمي يقرأ محاضر الشرطة وتقارير وزارة الداخلية بأذن مُنتِبة لما بين السطور. كم مرة مُثِل الباعة الجائلون أمام القضاء في سنة واحدة؟ هل هذا الرقم – 2398 مخالفة – دليل على عدم الانضباط، أم على مقاومة شعبية صامتة لمحاولات الدولة تجريد الشوارع من حيويتها؟ حين يشكو محررو الصحف من ضوضاء الأحياء الشعبية، ماذا يُخبروننا في الواقع عن طبقيتهم الخاصة؟

الحدود النقدية

لا يخلو كتاب من عيوب، وسيجد القارئ النقدي في “أصوات الشوارع” بعض المواضع التي يمكن الاعتراض عليها. أبرزها أن فهمي، على رغم حرصه على تجنّب الوقوع في فخ التمثيل التمركزي بالغرب، يبقى مقيّداً بحدوده المصادرية إلى حدٍّ ما. الصحافة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين كانت منتوجاً طبقياً بامتياز. أما صوات الطبقات الفقيرة التي يسعى فهمي إلى استعادتها تصلنا دائماً مُرشَّحةً بعدسة تلك الطبقات التي اعترضت عليها. وهذا ليس خللاً منهجياً، بل هو قيد بنيوي على كل من يكتب تاريخ الهامش من قلب الأرشيف الرسمي.  كذلك يميل الكتاب في بعض فصوله – خاصةً الفصل الثالث المتعلق بالترامات والسيارات – إلى الثقل المرجعي الإحصائي المفرط. جداول البيانات الخمس التي تتتبع أعداد الترامات والسيارات والبضائع الكهربائية المستوردة مُفيدةٌ للباحث المتخصص، لكنها تُبطّئ الإيقاع السردي للفصل وتُثقله بما لا يسهم بالضرورة في الحجة الأساسية.

وعلى صعيد النطاق الجغرافي، ينصبّ الاهتمام في معظمه على القاهرة والإسكندرية، وهو أمر مفهوم نظراً لطبيعة المصادر الأرشيفية، لكن المدن المصرية الأخرى – والريف المصري كليةً – تكاد تغيب. لا نسمع كيف بدت قرية في الدلتا مع ورود أول طريق معبّد إليها، أو كيف أثار الراديو الصادر من بيت أحد التجار المُقيمين في المنوفية استحساناً أو رفضاً. وهذا غياب يجعل السردية بطبيعتها حضرية وبالتالي مُحابية للطبقة الوسطى الواعية ذاتياً. أيضاً – وهذا ملاحظة أكثر نظرية – يُبدي فهمي أحياناً ثقةً مفرطة في إمكانية الفصل المنهجي بين المشهد الصوتي الحقيقي والخطاب حول الأصوات. نحن نستطيع بصدق أن نُعيد بناء ما قيل عن الأصوات، أكثر مما نستطيع إعادة بناء الأصوات ذاتها. وهذا الفارق بين شعرية الصوت وتاريخ الصوت يستحق التأمل أكثر مما أتاحه الكتاب لنفسه.

ورغم هذه الملاحظات، يبقى الكتاب إسهاماً حقيقياً في أكثر من حقل أكاديمي. في مجال الدراسات العربية والشرق أوسطية، يردم فراغاً واضحاً، فتاريخ الحواس في المنطقة ظلّ حقلاً أقلّ تطوراً بكثير مما هو عليه في الدراسات التاريخية الأوروبية والأمريكية. وفي الحقل الأوسع لـ”التاريخ الحسي” أو سوسيولوجيا الصوت، يُقدّم فهمي حالة دراسية ثرية من خارج المنظومة الأنجلوأمريكية المهيمنة، مُثبتاً أن المناهج التي طُوّرت في سياقات غربية قابلة للنقل والتكيّف، لكنها تحتاج إلى تعديل جوهري ليستوعبها السياق الاستعماري وما بعد الاستعماري في مصر.

ثمة لحظة في الخاتمة يكتب فيها فهمي عن “الأصوات الضائعة”، وكيف أن المتعلمين والطبقات الوسطى في مصر باتوا يتذكرون بحنين تلك الأصوات التي عملوا في وقت من الأوقات على إسكاتها: نداء الروبابيكيا، وجرس بائع الحليب، وزمارة بائع الفول. وهو حنين يكشف مفارقة طريفة، عن أن هذه الطبقات التي طالبت بصمت الشوارع هي ذاتها التي تبكي اليوم على صمن تلك الشوارع. فالحداثة دائماً تدمر ما تُحوّل، وتُحبّ ما دمّرت.

إقرأ أيضا
Privacy Preferences
When you visit our website, it may store information through your browser from specific services, usually in form of cookies. Here you can change your privacy preferences. Please note that blocking some types of cookies may impact your experience on our website and the services we offer.