هناك نوع من المفارقة المُثيرة للسخرية في أن يكون ميشيل فوكو، المُحلِّل الكبير لأنظمة المعرفة والسلطة، وعلى وجه التحديد الذي كرّس جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لتشريح آليات إنتاج الخطاب وكشف ما يُسكته، قد ذهب إلى تونس ليُشكّل صورته عنها انطلاقاً من أنقاض قرطاج، ومن أخيلة يونانية تسكن الجسد الأمازيغي-العربي، دون أن يتساءل عن مصدر هذه الأخيلة وتاريخ إنتاجها. إن كتاب مارنيا لزرق “فوكو في الشرق: معضلة الاختلاف الثقافي من تونس إلى اليابان”، يُعالج بالضبط هذه المفارقة بعيون مفتوحة وبمشرط نقدي حاد، دون أن يفقد لحظة واحدة احترامه العميق لمجمل مشروع فوكو. والكتاب في مجمله ليس مجرد دراسة في “نقاط عمى” مفكر كبير، بل هو استفسار جذري عن حدود الكوسموبوليتانية الفلسفية الأوروبية حين تواجه حقيقة الآخر المُستعمَر.
الراحلة مارنيا لزرق، كانت أستاذة في جامعة نيويورك ومؤلفة كتاب الاستعمار والمرأة الجزائرية الموسوم بـ “إنسانية القيد”، ليست ضيفة جديدة على هذه المسائل. حضورها السابق في خضم الجدل حول ما أسمته “الخطاب حول المرأة في العالم الثالث” يجعلها تُقبل على فوكو لا بالغيرة ولا بالتقديس، بل بفضول صارم ومُوجَّه. وتصدر المؤلفة في عملها عن سؤال يفتح هاوية تأويلية واسعة: لماذا ابتدأ فوكو كتابه “الكلمات والأشياء” بموسوعة بورخيس الصينية؟ وما العلاقة بين هذا الافتتاح البياني وتجارب فوكو المُعاشة في بلدان غير غربية، مثل تونس، وإيران، واليابان؟ من هذا السؤال تتفرع خيوط الكتاب الثمانية فصول.
يقوم الكتاب على مستويين تحليليين متشابكين: أولهما فلسفي تاريخي يتتبع كيفية تطور موقف فوكو من “الاختلاف الثقافي” منذ تعليقه على أنثروبولوجيا كانط، مروراً بنقده للعلوم الإنسانية في “الكلمات والأشياء”، وصولاً إلى الإشكالية الأنثروبولوجية التي يطرحها مفهوما “الهيتيروتوبيا” والـ”تجربة الحدية”. وثانيهما تجريبي وثائقي يعتمد على إجراء مقابلات مع مثقفين وناشطين تونسيين عرفوا فوكو شخصياً إبان إقامته في البلاد بين عامَي 1966 و1968، ومع أطراف أخرى قيّمة، من بينها دانيال ديفير، رفيق فوكو وأمين أرشيفه. وهذا الجمع بين الفلسفة المُحكمة والتاريخ الشفهي المُجترَح هو ما يمنح الكتاب طابعاً استثنائياً ويُفرّقه عمّا سبقه من الدراسات.
في الفصول الأولى، تنزع لزرق إلى تشريح العلاقة التأسيسية بين فوكو وكانط، ولا سيما تعليقه المنشور عام 1964 على “الأنثروبولوجيا من وجهة نظر براغماتية”. وما تُظهره هو أن رفض فوكو لأنثروبولوجيا كانط ليس رفضاً كاملاً، بل هو إعادة صياغة تنطوي على إشكالية. فقد انتهى فوكو إلى نسخة مُعطَّلة من الكوسموبوليتانية الكانطية. كان كانط يرى أن الأنثروبولوجيا البراغماتية أداة لتوسيع أفق المعرفة بالكائن الإنساني، بما فيها معرفة الغريب وغير الألفاء، وكان يُوصي المسافر بالتعلم من البلدان الأخرى لا الاكتفاء بالتطبيق عليها. أما فوكو، فقد ورث الانشغال الكانطي بالمعرفة الإنسانية لكنه حُرم، كما تُجادل لزرق، من الشرط الكوسموبوليتاني الذي يُلزم الفيلسوف بمواجهة الآخر على أنه آخر حقيقي، وليس مجرد سطح ينعكس عليه همّه الذاتي. هذا هو المحور الذي تتفرع منه كل الفصول اللاحقة. إن فوكو حين يُقبل على الصين (في صورتها البورخيسية الافتراضية)، أو على تونس، أو على إيران، أو على اليابان، لا يُواجه في كلِّ مرة إلا سُؤاله هو؛ سؤالاً عن اليونان، وعن الجنسانية، وعن حدود الحداثة الغربية، وعن الثورة. وما يغيب دائماً هو اليقظة الأنثروبولوجية التي تنتبه لما يُنتجه المكان في نفسه كمكان له تاريخ وذاكرة وأناس، وليس كمرآة فلسفية.
فوكو في سيدي بو سعيد
يبلغ الكتاب ذروته، من الناحية الأناسية على الأقل، في الفصل السادس الموسوم بـ”هيتيروتوبيا تونس”، وهو فصل يُجمع كل منطقي الكتاب، الفلسفي والتاريخي. أقام فوكو في تونس من نوفمبر 1966 حتى أكتوبر 1968، واستقر في ضاحية سيدي بو سعيد، تلك القرية التي وصفها بنفسه مراراً بمحبة لافتة: بيوتها المُبيَّضة، وأزقتها الضيقة، وضوؤها الأبيض الحار، وإطلالتها على البحر. “ذلك الضوء المتوسطي يُعلي من الإحساس بالقيم”، كما قال فوكو في إحدى مقابلاته. “في شمال أفريقيا، يُؤخذ كل شخص بما هو، لا بما يفعل ولا بما يُعرف عنه. لا أحد يقفز على اسم سارتر.” من هذه الجملة الأخيرة تنطلق مارنيا لزرق لتُفسّر جانباً معقداً من حضور فوكو التونسي، فقد كان يبحث بجزء منه عن استراحة مريحة من هيمنة سارتر الرمزية وثقل الحياة الفكرية الباريسية. والفردوس الذي وجده في سيدي بو سعيد كان، في جزء كبير منه، مكان للفرنسيين غير فرنسا؛ مجتمعاً مُصطنعاً من المثقفين الفرنسيين في المنفى الذي يُتيح مسافة بلا عزلة حقيقية. وكان يعود إلى فرنسا باستمرار، ويتابع النقاشات الباريسية، ولا يُقيم قطيعة مع الحياة الفكرية الفرنسية.
الأهم في تحليل لزرق هو ما يكشفه سلوك فوكو التفسيري، حين دفعه شغفه باليونان القديمة وقد تزامن مع إقامته التونسية، انكبّ هو ودانيال ديفير على استقصاء ما ظنّاه بقايا ممارسات يونانية في العلاقات المثلية لدى الشباب التونسي. وكما تُبيّن لزرق بدقة، في هذا التأويل الأنثروبولوجي تحايل على التاريخ، إذ يفترض أن الحضور اليوناني في شمال أفريقيا أنتج “بقايا ثقافية” إلى حد إهمال ما جاء بعده من قرون إسلامية وأمازيغية وعثمانية وفرنسية. وتُسمي لزرق هذا المنهج بقسوة، “أنثروبولوجيا مشكوك فيها للبقايا الثقافية”، تمحو التراكم التاريخي لصالح المخيال الكلاسيكي الأوروبي. كانت تونس في عيني فوكو “هيتيروتوبيا تاريخية اختفى منها التاريخ العربي والإسلامي”. ولم يكن هذا الاختفاء بريئاً، بل إجراءً تأويلياً ذا نتائج، حيث “شكّلت الثقافة التونسية فراغاً في أنثروبولوجيا فوكو”.
ثمة وثيقة مُحوَرية في الكتاب هي رسالة فوكو إلى جورج كانغيلام في أعقاب أحداث الخامس من جوان 1967، حين اندلعت مظاهرات في تونس على خلفية النكسة ومواقف الحكومة التونسية الداعمة للولايات المتحدة وبريطانيا. وصف فوكو في الرسالة ما جرى بأنه “يوم مذبحة، نصف يوم كان أشد خطورة مما أوردته لوموند: نحو خمسين حريقاً، مئة أو مئتا محل مُهجوم وأفقرها بالطبع، المشهد الذي لا يُنسى للكنيس محطوماً، سجاد جُرّ في الشوارع ودُهس وأُحرق”. ثم كال في الرسالةُ اللومَ على طلاب اليسار الذين “أسهموا وأكثر في كل ذلك”. وخلص فوكو إلى أن “القومية زائد العنصرية ينتجان شيئاً مريعاً”، وأن الماركسية كانت “المناسبة والمفردات” لهذا الانزلاق.
تُعامل لزرق هذه الرسالة بأسلوب المحقق الأثري، فهي رسالة كاشفة ليس لما تقوله، بل لما تُبيّن عن إطار تفسيري. فقد كان الموقف من الأحداث، وفق الشهادات التي جمعتها بنفسها من فاعلين فيها، أكثر تعقيداً بكثير. سيمون عثماني لولوش، ناشطة يهودية ضمن مجموعة “بيرسبكتيف”، تتذكر كيف أن طلاب اليسار قاموا بتشكيل طوق لحماية المواطنين اليهود. وإبراهيم رزق الله، من المؤسسين الأوائل للمجموعة، أكد أن الحكومة البورقيبية نفسها هي التي نظّمت الأحداث لتجد ذريعةً لقمع اليسار، وأن محطة تلفزيون إيطالية بثّت صوراً تؤيد رواية الطلاب. حتى ديفير نفسه اعترف بأن فوكو كتب الرسالة “في لحظة صدمة”، وأنه أعطاه لاحقاً رواية أكثر دقةً وصحةً كانت تُلقي اللوم على حزب الدستور الحاكم.
المشكلة ليست في كون فوكو أخطأ في تقديره للوقائع – فهذا وارد على أي إنسان يكتب في خضم الانفعال- بل في ما تكشفه الرسالة عن بنية تفسيرية مُسبقة، من ميل فوكو إلى ربط الأحداث غير المُتوقعة بفشل الفكر الماركسي، وهو نفس النمط الذي ستُظهره لزرق لاحقاً في تحليلها لتغطيته للثورة الإيرانية. وهذا النمط يكشف عن بُعد مُضمر في أنثروبولوجيا فوكو السلبية. فرغم أنه رفض أي افتراض عن طبيعة إنسانية ثابتة، فإنه يُحكم على الفاعلين غير الغربيين انطلاقاً من مقولات يرفضها نظرياً، كمقولة الطاقة التفسيرية للإيديولوجيا.
انتفاضة مارس 1968
لعل الإسهام الأوثق صلةً بأحداث التاريخ السياسي الراهن الذي يقدمه هذا الفصل هو تأطير انتفاضة مارس 1968 في تونس. فما خُلص إليه الباحثون والناشطون التونسيون الذين قابلتهم لزرق هو إجماع لافت من أن انتفاضة مارس 1968 في تونس سبقت ماي الفرنسي، وكانت في جوهرها انتفاضة تحمل أبعاداً أعمق. كانت مجموعة “بيرسبكتيف” قد تشكّلت أساساً في باريس عام 1963، ثم عادت إلى تونس لتتحدى حكم الحزب الواحد في عهد بورقيبة، مطالبةً بالحرية والديمقراطية والتضامن مع حركات التحرر. وحين اندلعت المظاهرات في جانفي ومارس 1968 – ضد زيارة هيوبرت همفري، وضد الحرب في فيتنام، وللمطالبة بالإفراج عن ناشطين معتقلين- كانت تُجسّد روح العصر الكونية، لكن في سياق ما بعد استعماري جزئي، وتحت وطأة قمع أشد فتكاً. كان فوكو شاهداً على هذا، وشارك بصورة لم يُقرّها علناً، فقد سمح للطلاب باستنساخ المنشورات في بيته، وأخفى منشورات في حديقته، ونقل بعض الناشطين مختبئين في صندوق سيارته، كما آوى أحمد بن عثمان حين كانت الشرطة تبحث عنه. وتعرّض هو نفسه للضرب المبرح في الشوارع على يد مجهولين رجّح ديفير أنهم من رجال الشرطة. وفي اليوم التالي، استدعاه وزير الثقافة دون أن يُعلّق على الكدمات لديه، في رسالة واضحة بأن ما جرى لم يكن عرضياً.
غير أن الأهم لغرض لزرق التحليلي هو ما أسبغه فوكو لاحقاً على هذه التجربة في مقابلاته. ففي سياق حواره الشهير مع ترومبادوري في أواخر 1978، شرع يُقارن بين تونس وفرنسا بطريقة تكشف خيطاً أنثروبولوجياً حساساً، فقد رأى في جرأة الطلاب التونسيين شيئاً يفوق الحماسة السياسية العادية، شيئاً “روحانياً”، وهو وصف يربطه مارنيا لزرق بمفهومه “الروحانية السياسية” الذي استخدمه في تغطية الثورة الإيرانية. إن نسب الطلاب العلمانيين اليساريين إلى مقولة دينية يُنبئ عن عجز فوكو في التمييز بين الثورات غير الغربية المختلفة؛ كلها تبدو له تنهل من ينبوع روحاني واحد مُقابل عقلانية أوروبية باردة. وفي ذلك، تُلاحظ لزرق بدقة، تعزيزاً للتعارض الثقافي الجوهراني الذي كان ينبغي لنقد فوكو للأنثروبولوجيا أن يتجاوزه. ويزيد هذا التوصيف إشكاليةً ما تُوضّحه شهادات الناشطين أنفسهم. لا تنكر زينب بن سعيد الشارني، الفيلسوفة والطالبة السابقة لفوكو، أن “ثمة عنصراً ماركسياً كلاسيكياً” في أسلوب حياة الطلاب ومواقفهم، لكنها تؤكد أن “انخراطهم الكلي، نمط تفكيرهم في الحرية، كان مختلفاً عن الماركسية الكلاسيكية” التي تُركّز على الصراع الطبقي، وأنهم كانوا يتمحورون حول متابعة الوعد غير المُنجز لاستقلال تونس. وهذا التمييز بين الإيديولوجيا الإطارية والتجربة المعيشة هو بالضبط ما يغيب في أوصاف فوكو لطلابه.
الصمت الاستعماري
يتوجه الفصل في نهايته نحو ما تُسميه لزرق “الصمت” الفوكوي تجاه المسألة الاستعمارية في تونس، وهو الإشكالية الأكثر إلحاحاً من وجهة نظر المؤلفة. كان فوكو، بشهادة أحمد الحسناوي، يعرف التاريخ الاستعماري لشمال أفريقيا جيداً، وكان مفتوناً بالحرب الجزائرية. وهو نفسه أشار، في موضع من مقابلاته، إلى الوجه اللغوي للاستعمار في تونس بعبارة تكاد تكون عبقرية: “في تونس، كان التعليم يُقدَّم باللغة الفرنسية من طرف طاقم فرنسي، وهنا بالضبط تتشكّل مسألة الاستعمار والاستقلال الوطني.” وفي نظر لزرق، كانت هذه اللفتة الاستعمارية اللغوية متقدمة على بعض الطلاب أنفسهم. لكنها تتوقف عند جملة أخرى لفوكو وتُدقق فيها: “في العالم الثالث، يندرج الكفاح ضد السلطوية في كفاح سياسي أشمل، ويفقد بذلك خصوصيته.” هذه الجملة، التي قد تُقرأ في ظاهرها كتضامن، تُفصح في قراءة مارنيا لزرق عن شيء مُقلق. إنها تُفصل الاستعمار عن السلطة في البلدان الاستعمارية، كما لو أنهما ظاهرتان منفصلتان. وبذلك تُغيّب الصلة العضوية بين السلطوية والاستعمار؛ الصلة التي كانت أمام عينيه في تونس كل يوم. أكثر من ذلك، حين عاد إلى باريس في أكتوبر 1968، اندمج في الحياة السياسية الفرنسية وتبنّى قضايا المهاجرين في فرنسا والسجون، لكنه لم يُبنِ على التجربة التونسية تحليلاً للاستعمار بما هو نظام عالمي مُتكامل.
لماذا هذا الصمت؟ تُقدّم لزرق أكثر من إجابة، لا تتناقض بل تتكامل. أولاً، كانت الحياة في “هيتيروتوبيا” سيدي بو سعيد تُدير الواقع إلى نوع من الغياب؛ فالوضع بدا منظّراً ومُرشَّحاً عبر الفقاعة البيضاء للقرية التي يسكنها الفرنسيون واليونانيون الخياليون معاً. ثانياً، الحاجز اللغوي الفعلي قطع فوكو عن جزء حيّ من الحياة اليومية التونسية. ثالثاً، كان ثمة ما يُشبه المهابة الثقافية بأن يقوم أوروبي بتحليل الاستعمار أمام الذين عاشوه، في سياق كان سارتر قد احتل فيه مكانة الأوروبي المتكلم باسم المستعمَرين، وهي مكانة كانت مصدر ضيق لفوكو. ورابعاً، وهذا الأعمق، كانت ثمة استحالة أنثروبولوجية بنيوية، فقد صاغ فوكو موقفه من الاختلاف الثقافي كـ”تجربة حدية” لا يمكن تجاوزها، وهذا جعل التونسيين حداً خارجياً لفكره لا طرفاً في ديناميكية معرفية متبادلة.
يجمع الكتاب خيوطه في مفهوم تصطلح عليه لزرق بـ”الأنثروبولوجيا السلبية” لدى فوكو. وهو مفهوم يستحق شرحاً. لم يرفض فوكو الاهتمام بالثقافات غير الغربية، بل أبدى انجذاباً حقيقياً نحوها. لكن نقده للأنثروبولوجيا الكانطية، بدلاً من أن يُفضي إلى انخراط أكثر تعقيداً مع الآخر، انتهى إلى عكسه، إذ عرّف الآخر الثقافي كحدٍّ يُنشئ اللامفكَّر فيه، الـ”impensé” الذي يُخصّب التفكير الغربي لكنه يبقى مُغلقاً في جوهره وعصياً على الاختراق الحقيقي. والنتيجة، كما تصوغها لزرق، هي أن “الآخرين يبدون غير منفذٍ إليهم، وعالمهم محدوداً ومُقيَّداً”. وهذا يُشبه، من حيث مفعوله، الأنثروبولوجيا التي ينتقدها بالضبط. وتُقدم لزرق تمييزاً دقيقاً، فقد فرّق فوكو بين الكانطية التي تسعى إلى الكوني في المحلي، وموقفه الخاص الذي يبحث عن المحلي في الكوني. لكن هذا المحلي ظل، وفق ما تكشفه الوقائع التونسية واليابانية والإيرانية، محلّياً أعاد إنتاجه الوهمَ الكوني لفوكو نفسه. وبعبارة أخرى، في كل مرة يُقبل فوكو على ثقافة مختلفة، يجد ما يبحث عنه، كآثار اليونان في تونس، والروحانية السياسية في إيران، ولغزاً مطلقاً في اليابان. لا يعود أبداً بشيء يُقلقل مفاهيمه الأساسية.
تونس والثورة
يجتزئ الكتاب لحظة لافتة في خاتمته، فمنذ الثورة عام 2011، بدأ التونسيون يستعيدون أحداث 1967-1968 كمرحلة تأسيسية وسابقة تاريخية. وأشارت شهادات متعددة إلى أن أفراداً ممن كانوا طلاباً أيام فوكو، وممن شاركوا في انتفاضة مارس 68، قد أصبحوا لاحقاً أعضاءً في الجبهة الشعبية وأطراً في منظومة الحياة السياسية. لكن مارنيا لزرق تنتبه إلى إقرار مُعقّد، من خلال شهادة المنماضل الراحل صادق بن مهني، الذي يرى أن دافع الثورة كان اليأس والضائقة الاقتصادية، في حين كان دافع جيل بيرسبكتيف الأمل. هذا الاختلاف الداخلي في تفسير السياق يُعيد إلى الواجهة السؤال الفوكوي عن الإرادة والممارسة: هل يكفي التضامن مع الفاعلين السياسيين دون فهم مشروع التحرر الذي يحمله سياقهم الثقافي الخاص؟ وهنا يبلغ الكتاب ما يتجاوز نقد فوكو ليصبح أطروحة في أخلاقيات المعرفة السياسية. إن الفيلسوف الغربي الذي يأتي إلى بلد غير غربي في حالة اضطراب لا يمكنه أن يُؤدي دور الشاهد العادل أو الموضوعي إلا بشرط أن يُعرّض لفحص جذري إطارَه الأنثروبولوجي الضمني، أي أسئلته السابقة على اللقاء. وما أظهره فوكو في تونس هو عكس ذلك، من خلال إطار مُسبق راسخ أَرسى تونس كهيتيروتوبيا يونانية، وأبقى الاستعمار في هامش تحليله.
لا يخلو الكتاب من إشكاليات. ثمة مقاطع في الفصول الأولى -لا سيما الفصول المكرسة لكانط وللأنثروبولوجيا السلبية الفوكوية- تبدو متكئة على هامش ضيق بين النقد الفلسفي الصارم والاستنتاج الذي يسبق المقدمات. وأحياناً تُحمّل لزرق صمت فوكو أكثر مما يحتمله أي صمت. الصمت مُقلق بالفعل، لكنه يتحمل أكثر من تفسير، وحين تُسرف الكاتبة في اليقين التفسيري تُضيّق مساحة القارئ. كذلك تجدر الإشارة إلى أن الكتاب يُعامل “الغرب” و”الشرق” كبنيتين متماسكتين بصورة يمكن أن تُعيد إنتاج ثنائية مبسطة، حتى وهو بصدد نقدها في فوكو. فالمُجادلة بأن فوكو لم يكن كوسموبوليتياً كافياً تُؤخذ في ضوء سؤال: كوسموبوليتانية من؟ وعلى أي شروط؟ إذ ليست الكوسموبوليتانية الكانطية نفسها بمنأى عن إشكاليات الهيمنة الثقافية.
ومع ذلك يحتل كتاب مارنيا لزرق مكانةً مُمتازة في ذلك الجسر النادر بين الدراسات الفوكوية ودراسات ما بعد الاستعمار والتاريخ الفلسفي المُجسَّد في تجارب بشرية حيّة. وما يُميّزه هي الأصوات التونسية التي أتاحها للقارئ. هؤلاء ليسوا هامشاً توثيقياً، بل هم جوهر الكتاب. أصوات من داخل التجربة التي يُحلّلها فوكو من خارجها، تُقرّ باتساق شامل بأن فوكو قدّم دعماً حقيقياً وجريئاً لطلابه، مع إقرارها في الوقت نفسه بأنه لم يفهم تونس بمعنى المواجهة الأنثروبولوجية الكاملة. وربما كان في هذا الثنائي -الدعم الحقيقي والفهم المنقوص- الدرس الأعمق الذي يُتيحه هذا الكتاب لزمننا. إن التضامن الذي لا يمرّ بتحدي البنى المعرفية للمتضامن هو تضامن يُخدم فيه أولاً ذلك المتضامن. وفوكو في تونس، ذلك الرجل الذي كان يُخفي منشورات في حديقته ويُجازف بسلامته الجسدية دفاعاً عن طلابه، كان في الوقت نفسه يبحث في أجساد أولئك الطلاب عن بقايا يونانية. وهذا التعايش المتوتر بين الشجاعة السياسية والعمى الأنثروبولوجي هو ما يجعل تجربة فوكو في تونس، في قراءة مارنيا لزرق، مثالاً لا نظير له على الاشتباك الإشكالي بين الفلسفة والجغرافيا والاستعمار.








